الذهب قد يهوي بسبب إيران

تم النشر 02/11/2026, 15:24
محدث 02/11/2026, 15:24

«في خضم الفوضى، توجد أيضًا فرصة.»

— سون تزو
 
من أغرب مفارقات التاريخ الاقتصادي أن الحرب التي تدفع الناس إلى شراء الذهب خوفًا من المستقبل قد تجبرهم لاحقًا على بيعه من أجل النجاة من الحاضر.
 
 فمع بداية الحرب يرتفع الذهب بفعل الخوف، ومع استمرارها قد ينخفض تحت ضغط التضخم والفائدة والحاجة إلى السيولة لتمويل الحرب، لكن المفارقة الأكبر تظهر عندما تبدأ الحرب باستنزاف الاقتصاد نفسه.
 
حينها قد تضطر البنوك المركزية إلى خفض الفائدة وضخ الأموال لإنقاذ ما أرهقته الحرب، فيعود الذهب إلى الصعود، ليس لأن الخوف انتهى، وإنما لأن الثقة بالنظام المالي أصبحت أكثر هشاشة.
 
وهنا تكمن المفارقة: الذهب قد يرتفع خوفًا من الحرب، وينخفض تحت وطأتها، ثم يرتفع مجددًا عندما يبدأ العالم بدفع فاتورتها الاقتصادية.
 
آخر الأخبار وأثرها على السعر
 
الفيدرالي يثبّت الفائدة، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام رفع جديد..
 
أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة عند 3.75%–4.00% في اجتماعه الأخير بتاريخ 28 أكتوبر، لكن تصريحات رئيسه كيفن وارش حملت رسالة تميل إلى التشدد النقدي.

فالاقتصاد الأميركي ما زال يُظهر نموًا قويًا مدعومًا بارتفاع الإنتاجية والاستثمارات، خصوصًا في قطاع الذكاء الاصطناعي، بينما يستمر التضخم فوق مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
 
والأهم أن القرار لم يحظَ بالإجماع، إذ طالب عضوان برفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ما يعكس استمرار القلق من الضغوط التضخمية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات العسكرية.
 
 وفي المقابل، أقرّ وارش بأن تكلفة الاقتراض بدأت تضغط على أسواق الائتمان وتدفع المستثمرين إلى مزيد من الحذر، دون أن يرى حتى الآن تباطؤًا اقتصاديًا يستدعي تغيير السياسة النقدية.
 
وهنا تظهر المفارقة؛ فالنمو القوي يمنح الفيدرالي مبررًا للإبقاء على الفائدة مرتفعة، وربما رفعها في ديسمبر، لكن استمرار التشديد قد يزيد الضغوط على الشركات المثقلة بالديون، خصوصًا شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
 
 وهذا قد يضغط على الذهب مؤقتًا من خلال دعم الدولار والعوائد الحقيقية، لكنه قد يتحول لاحقًا إلى عامل داعم له إذا تسبب التشديد في تباطؤ اقتصادي يجبر الفيدرالي على العودة إلى خفض الفائدة.
 
برأيي، قد يكون انتظار نتائج الانتخابات النصفية الأميركية المقررة غدًا، 3 نوفمبر 2026، أحد العوامل التي تجعل التريث في تغيير أسعار الفائدة منطقيًا، وإن لم يكن هناك دليل على أن الفيدرالي ثبّت الفائدة لهذا السبب تحديدًا.
 
ولفهم أهمية هذه الانتخابات، لا بد أن نعرف أن الرئيس دونالد ترامب ينتمي إلى الحزب الجمهوري، الذي يسيطر حاليًا على البيت الأبيض ومجلسَي الكونغرس.

إذ يتمتع بأغلبية 53 مقعدًا في مجلس الشيوخ، مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، وبأغلبية ضيقة في مجلس النواب.
 
 وهذا يمنح إدارة ترامب قدرة أكبر على تمرير تشريعاتها الاقتصادية، خصوصًا المتعلقة بالضرائب والإنفاق الحكومي، لكن هذه السيطرة أصبحت مهددة مع اقتراب الانتخابات.

إذ يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ قدره أربعة مقاعد لانتزاع الأغلبية في كل مجلس.
 
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم الديمقراطيين في التوجه العام لانتخابات الكونغرس.

فقد أظهر استطلاع رويترز/إبسوس تقدمهم بنسبة 53% مقابل 44% بين الناخبين المرجّح مشاركتهم، بينما تشير التقديرات المنشورة إلى فرص قوية لانتزاع مجلس النواب، مع بقاء نتيجة مجلس الشيوخ أكثر غموضًا.
 
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية؛ فإذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، ستبقى قدرة ترامب التشريعية أوسع، أما إذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، فقد تصبح الحكومة منقسمة وتزداد صعوبة تمرير الموازنات والتشريعات الكبرى.
 
 وهذا قد يغيّر توقعات الإنفاق والعجز والرسوم الجمركية خلال عام 2027، وبالتالي يؤثر بصورة غير مباشرة في التضخم وقرارات الفيدرالي والدولار والذهب.
 
وعليه، فإن أهمية الانتخابات لا تكمن في تحديد الطرف المنتصر سياسيًا فقط، وإنما في تحديد شكل السياسة المالية الأميركية التي سيضطر الفيدرالي إلى التعامل مع نتائجها خلال المرحلة المقبلة.
 
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر 2026، يبدو أن الولايات المتحدة، ومعها عدد من الاقتصادات الكبرى، دخلت مرحلة شراء الوقت بدلًا من اتخاذ قرارات حاسمة.
 
 فنتائج الانتخابات قد تحدد قدرة ترامب على الاستمرار في سياساته الاقتصادية، بل وحتى السياسية.

إذ إن احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس يمنحه مساحة أوسع لتمرير قراراته المتعلقة بالضرائب والإنفاق والرسوم الجمركية، بينما قد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على أحد المجلسين إلى تقييد هذه القدرة.
 
وبرأيي، قد يكون هذا الغموض السياسي أحد العوامل التي تجعل تثبيت الفيدرالي للفائدة عند 3.75%–4.00% خيارًا أكثر حذرًا، خصوصًا مع استمرار التضخم وارتفاع النفط فوق 110 دولارات نتيجة الحرب مع إيران وتعثر استقرار الملاحة في مضيق هرمز.
 
وهنا تكمن المفارقة؛ فالفيدرالي ينتظر وضوح المشهد الاقتصادي والسياسي، بينما قد يجبره استمرار ارتفاع النفط على رفع الفائدة مجددًا، ما يزيد الضغوط على الديون والأسواق، وربما يدفعه لاحقًا إلى خفضها إذا دخل الاقتصاد في مرحلة ركود.
 
 وهذا ما يجعل الذهب بين ضغوط التشديد النقدي حاليًا واحتمال الاستفادة من عودة التيسير النقدي مستقبلًا.
 
بناءً على مجمل المعطيات السابقة، أرى أن السيناريو الأقرب هو استمرار الفيدرالي في سياسة التريث مؤقتًا، مع بقاء احتمال رفع الفائدة مرة إضافية قائمًا، خصوصًا إذا استمرت الحرب مع إيران وبقي النفط فوق 110 دولارات، ما قد يؤخر تراجع التضخم.
 
وفي المقابل، فإن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية ستحدد قدرة إدارة ترامب على تنفيذ سياساتها الاقتصادية، وقد تضيف مزيدًا من الضبابية إلى توقعات الإنفاق والعجز.
 
 لكن المشكلة الأعمق أن استمرار الفائدة المرتفعة، بالتزامن مع تضخم الديون وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب مع إيران، قد يدفع الاقتصاد نحو ما أسميه «نقطة الخنق الاقتصادي»، حيث تبدأ الضغوط بالانتقال من أسواق المال إلى الائتمان والاستثمار، خصوصًا في قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد جزء من توسعه على التمويل بالدين.
 
وهنا قد يتعرض الذهب لمزيد من التصحيح تحت ضغط العوائد المرتفعة والحاجة إلى السيولة، قبل أن تتغير المعادلة إذا تراجع النمو والطلب على النفط وانحسرت الضغوط التضخمية، ما يمنح الفيدرالي مبررًا للعودة إلى خفض الفائدة.
 
وعليه، فإن السيناريو الذي أرجّحه ليس انتهاء دورة صعود الذهب، وإنما استمرار التصحيح مؤقتًا قبل استئناف الاتجاه الصاعد، بشرط أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى تباطؤ يسمح بالتيسير النقدي.
 
 أما استمرار التضخم المرتفع رغم ضعف النمو، فقد يؤخر هذا التحول ويجعل التصحيح أطول وأعمق مما نتوقع، وإذا دققت النظر في المعطيات الحالية، فسترى أن الحكومات تحاول تأجيل فاتورة الحرب الآن إلى أبعد نقطة.
 
وهذا ما سيقودنا، في حال انتهت الحرب — وعاجلًا أم آجلًا لا بد أن تنتهي — إلى انهيار أسعار النفط التي كانت سببًا في التضخم أو الخنق الاقتصادي.
 
 ومن ثمّ، فإن كل عملية رفع للفائدة لكبح التضخم سيقابلها خفضان على الأقل لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد؛ وهذا لا يحدث بين يوم وليلة، وإنما سيأخذ وقتًا طويلًا لا يقل عن سنة ونصف.

 

 
نظرة على السعر

«لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الإحصائيات.»
— الطبيب صالح
 
1- القيمة العادلة لسعر الذهب، بناءً على المدارس الإحصائية التاريخية، هي 4100 دولار.

2- إحصائيًا، يتميز شهرا نوفمبر وديسمبر بأداء إيجابي لسعر الذهب.

3- تُعتبر المنطقة بين 3800 و4000 دولار منطقة قاع مزدوج؛ وفي حال صمد السعر فوقها، فهذا إيجابي، لكن كسرها شديد السلبية وقد يقود الذهب إلى استهداف المنطقة بين 3500 و3600 دولار، ولكونها منطقة سيولة، فسيكون الوصول إليها سريعًا إن وقع.

4- يبلغ احتمال بقاء السعر فوق 3750 دولارًا 97%، لكن احتمال كسر هذا المستوى في ظل توسع الحرب يبقى قائمًا، ويُقدّر بـ3%.
 
الخلاصة

نحن في ظل موجة رابعة قد تنتهي عند 3800 و4000 دولار، باحتمال قدره 97%، ولكن، مع تقلب الظروف بسرعة، لا أستبعد سيناريو احتماله 3%، يتمثل في كسر مستوى 3800 دولار واستهداف مستوى 3500 دولار.
 
على المدى البعيد
 
تُعتبر المنطقة بين 3500 و4000 دولار، بالنسبة لي، منطقة ادخار؛ فما زلت أرى، حتى هذه اللحظة، أن الذهب لم يُنهِ الموجة الأخيرة من الصعود. فمع انتهاء الحرب، لن يكون هناك تضخم، وإنما فاتورة حرب ستُدفع عاجلًا أم آجلًا.
 
وهذا ما يجعلني أستعيد الذهب في قممه السابقة، وأستعيد قممًا جديدة، ولكن ليس قبل انتهاء الحرب؛ وهذه المرحلة، برأيي، قد تمتد لسنتين على أقل تقدير؛ ومن ثمّ، أقول إن الذهب قد يستهدف 5500 دولار، ولكن في عام 2028.
 
رأي المستشار المالي

في الختام، عزيزي، لا أرى أبدًا أن البراعة في السوق، والذهب تحديدًا، تكمن في بناء سيناريو واحد فقط، مهما بلغت براعتك في التحليل؛ بل تكمن في أن تكون قادرًا على استقراء عدة سيناريوهات وبناء خطة لكل منها.
 
وتذكّر كلامي للمستقبل، الذي أراه أقرب مما تتخيل: ما نحن فيه الآن يُعتبر فرصة، لا شك، بشرط أن تُحسن استثمارها.

 
المستشار عمر آل صياح
للمزيد، تابعني على حسابي على منصة X:
@Omarsyyah
التحليل الفنيالتحليل الاحصائيالتحليل الاحصائي

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.