مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
تثير الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الصين والتي تتضمن تعريفات جمركية تصل إلى 245% على الواردات الصينية حالة من الجدل والقلق في الأوساط الاقتصادية والسياسية و يعتمد ترامب على فرضية أن هذه التعريفات ستجبر الصين على الامتثال وستساعد في إعادة تعزيز الصناعة داخل الولايات المتحدة ومع ذلك، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن النتائج قد تكون عكس ما هو متوقع بناءً على التحليلات الحالية، هناك توقعات تشير إلى أن ترامب قد يُعيد النظر في هذه السياسة خلال الأسابيع المقبلة، وبالتحديد في مايو 2025، وذلك نتيجة لمجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية.
الضرر المباشر على الاقتصاد الأمريكي
رغم أن التعريفات تهدف رسميًا إلى الضغط على الصين، إلا أن المستوردين الأمريكيين هم من سيتحملون التكلفة الفعلية، وهو ما ينعكس سلبًا على كل من الشركات والمستهلكين تشير التقارير ان نحو 71% من المنتجات المعروضة على أمازون (NASDAQ:AMZN) تأتي من الصين ما يجعل الشركات الصغيرة التي تعتمد على هذه الواردات تواجه خطر الإفلاس، إذ إن تعريفات بنسبة 245% تجعل من تكلفة الاستيراد غير مجدية تجاريًا حتى الشركات الكبرى مثل وولمارت وتارغت بدأت برفض شحنات بملايين الدولارات لتجنب دفع رسوم جمركية قد تصل إلى 2.45 مليون دولار لكل شحنة ما يؤدي إلى نقص في المخزون ورفوف فارغة واضطراب في سلاسل الإمداد.
في الوقت ذاته، ترتفع أسعار المنتجات الاستهلاكية اليومية بشكل صادم على سبيل المثال السترات التي تُباع بـ40 دولار قد تقفز إلى 120 دولار، والهواتف الذكية تشهد زيادات مشابهة، مما يحدّ من القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي ويضغط على الطبقة المتوسطة ومع اقتراب موسم التسوق في الصيف من المتوقع أن تتكثف شكاوى مجتمع الأعمال وهو ما سيضع ضغوطًا إضافية على البيت الأبيض لإعادة النظر في هذه السياسة التي بدأت تنقلب على الداخل الأمريكي أكثر من الخارج المستهدف..
تآكل الدعم السياسي داخل القاعدة الجمهورية
غم أن ترامب لا يزال يحتفظ بشعبية الا ان تعريفات بهذا الحجم باتت تُثير استياءً ملحوظًا حتى بين أنصاره التقليديين ، على مواقع التواصل بدأ بعض الناخبين الجمهوريين يصفون التعريفات التي وصلت الى 245% بأنها "جنونية" وغير قابلة للتبرير خاصة عندما تطال الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر وتؤثر على القدرة الشرائية للمواطن و من المهم التذكير أن ترامب سبق وتراجع مؤقتًا عن فرض التعريفات على بقية دول العالم وقام بتأجيلها لمدة 90 يومًا بعد أن اوشك سوق الأسهم على الانهيار ما يكشف عن استعداد سياسياً للتراجع إذا أصبح الثمن باهظًا.
في هذا السياق، فإن التراجع هنا سيكون "تكتيكيًا" أكثر منه تراجعًا استراتيجيًا لكنه يظل ضروريًا للحفاظ على رصيد ترامب والحزب السياسي.
استحالة إعادة التصنيع بسرعة داخل الولايات المتحدة
أحد أبرز شعارات ترامب هو "إعادة المصانع إلى أمريكا" لكنه شعار يصطدم بواقع اقتصادي معقد يجعل من تحقيقه في الأجل القصير أمرًا شبه مستحيل فالبنية التحتية الصناعية في الولايات المتحدة تفتقر إلى سلاسل الإمداد المتكاملة التي بنتها الصين خلال عقود، كما هو الحال في مدينة ووي المتخصصة بالنسيج، حيث تتوافر جميع مكونات التصنيع ضمن نطاق جغرافي ضيق و علاوة على ذلك فأن هنالك فجوة هائلة في تكاليف الإنتاج؛ فمنتج يُصنّع بدولار واحد في الصين قد يكلف 8.5 دولارات داخل أمريكا، حتى مع فرض تعريفات جمركية مرتفعة، ويُضاف إلى ذلك عامل اجتماعي مهم يتمثل في عزوف الجيل الأمريكي الشاب عن العمل في المصانع، مفضلين الوظائف التقنية أو قطاعات الخدمات ذات الرواتب الأعلى وظروف العمل الأفضل.
وفي ضوء هذه المعطيات فإن تجربة ترامب الأولى التي أفضت إلى خلق نحو 2000 وظيفة فقط في قطاع الصلب رغم فرض تعريفات واسعة، تظل نتيجة ضعيفة لا تبرر إعادة تطبيق نفس السياسة بل تؤكد أنها غير قابلة للتنفيذ حالياً..
المرونة الاقتصادية الصينية
خلافًا لما يُروّج في الإعلام الأمريكي الصين تمتلك أوراق قوة تجعلها أكثر قدرة على الصمود أمام أي ضغط تجاري أو سياسي من واشنطن فمن حيث تنويع الأسواق تُعد الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من 140 دولة حول العالم وشراكاتها مع إفريقيا وآسيا آخذة في التوسع بوتيرة متسارعة ما يقلل من أهمية السوق الأمريكي بالنسبة لبكين وفي الداخل تعمل الحكومة الصينية على تعزيز الاستهلاك المحلي كوسيلة استراتيجية لتقليص الاعتماد على التصدير للولايات المتحدة وهو ما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية أما على الصعيد التكنولوجي فقد تجاوزت الصين مرحلة كونها "مصنع العالم" لتصبح قوة ابتكارية في مجالات متقدمة السيارات الكهربائية إضافة إلى تفوقها المتنامي في الذكاء الاصطناعي في النهاية الصين ليست الطرف الضعيف الذي يمكن الضغط عليه بسهولة بل خصم صلب يملك أدوات مناورة متقدمة، وسيجد ترامب صعوبة متزايدة في إخضاعهم اقتصاديًا ضمن هذه المعادلة العالمية الجديدة
.فقدان الثقة العالمية في أمريكا
حرب ترامب التجارية لا تستهدف الصين فقط بل تطال الحلفاء التقليديين مثل كندا وأستراليا ما أدى إلى موجة من النفور الدولي المتصاعد تجاه السياسات الأمريكية فمع تصاعد التعريفات، بدأت شريحة واسعة من الكنديين والأوروبيين بمقاطعة المنتجات الأمريكية وتراجعت السياحة الخارجية إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 40%، ما يعكس انحسارًا واضحًا في الصورة الذهنية لأمريكا كوجهة موثوقة.
سياسيًا، تحوّل شعار "أمريكا أولاً" إلى واقع عنوانه "أمريكا وحيدة" في وقت يتجه فيه العالم نحو كتل اقتصادية بديلة تقودها الصين مثل الشراكات الآسيوية.
وفي بعد آخر أكثر خطورة تشهد الجامعات الأمريكية تراجعًا في عدد الطلاب الصينيين الذين يمثلون مصدرًا رئيسيًا مهما للدخل، فضلًا عن عودة العديد من الباحثين والعلماء إلى الصين، ما يُفقد أمريكا ميزة تنافسية حاسمة في مجالي التعليم والبحث العلمي ونتيجة لهذا التآكل في الثقل الأمريكي، من المتوقع أن يجد البيت الأبيض نفسه مضطرًا إلى التراجع أو تخفيف سياسات التعريفات، في محاولة لحماية ما تبقى من نفوذ واشنطن على الساحة الدولية
التراجع قادم.. ولكن بوجه جديد
كل المؤشرات تدل على أن ترامب سيُخفف من "تعنيفاته" الجمركية خلال مايو القادم إما عبر تعليقها مؤقتًا أو تقديمها كجزء من "صفقة كبرى" لإرضاء أنصاره.
لكن الأهم أن هذا التراجع لن يُغيّر جوهر الحقيقة وهي أن الحرب التجارية بصيغتها الحالية تُلحِق الضرر بالاقتصاد الأمريكي أكثر مما تؤثر على الصين.
والرسالة التي فهتها أمريكا هي أن القوة الاقتصادية لم تعد تدار بقرارات أحادية، بل بحسابات معقدة تتطلب المرونة
في النهاية، إذا لم يتراجع ترامب، فالبدائل ستفرض نفسها على أرض الواقع إما بالتحايل عبر دول وسيطة، أو تأجيل الطلبات، أو انتقال الاستيراد لدول أخرى وهذا وحده كفيل بإثبات أن التعريفات فشلت في تغيير السلوك الصيني، لكنها نجحت في إدخال الاقتصاد الأمريكي في دوامة لا داعي لها.
