مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في لحظة فارقة من التاريخ الحديث، وعلى وقع بروتوكولات فخمة لم تغب عنها رمزية الحزم والانفتاح، استقبلت العاصمة القطرية الدوحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في زيارة تُعد من بين الأهم والأكثر تأثيراً في العلاقات الثنائية بين دولة خليجية والولايات المتحدة خلال القرن الحادي والعشرين. لكن، وعلى خلاف زيارات المجاملة أو المحطات البروتوكولية المعتادة، حملت هذه الزيارة بين طياتها مشروعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بالغ العمق: اتفاقيات تتجاوز قيمتها 1.2 تريليون دولار، تعيد رسم خرائط المصالح والتحالفات، وتؤسس لما وصفه البيت الأبيض بـ"العصر الذهبي الجديد لأميركا".
فما الذي جرى حقًا في الدوحة؟ وما الذي تعنيه هذه الاتفاقيات للولايات المتحدة، ولحلفائها في الخليج، وللاقتصاد العالمي الذي يعيش على وقع اضطرابات متسارعة؟
صفقة القرن الاقتصادي: ماذا وقعت قطر؟
حين أعلن البيت الأبيض في بيان رسمي يوم الأربعاء 14 مايو، أن الرئيس ترامب وقّع اتفاقًا اقتصاديًا مع قطر بقيمة لا تقل عن 1.2 تريليون دولار، لم يكن الأمر مجرد دعاية سياسية أو حملة علاقات عامة. الواقع أن ما تم توقيعه في الدوحة هو بمثابة حجر زاوية لتحالف استراتيجي طويل الأمد، يشمل قطاعات الطيران، الطاقة، الدفاع، الأمن، التكنولوجيا المتقدمة، والابتكار الصناعي.
أهم ما تضمنته الاتفاقيات:
-
طلبية تاريخية من شركة بوينغ (NYSE:BA) لشراء 210 طائرات من طرازي 787 دريملاينر و777X، بقيمة 96 مليار دولار، وهي أكبر صفقة طائرات عريضة البدن في تاريخ بوينغ.
-
شراء 400 محرك طيران من شركة جنرال إلكتريك، من بينها 60 محرك GE9X المتطور.
-
صفقة دفاعية ضخمة مع شركة "رايثيون" لشراء أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة بقيمة مليار دولار.
-
اتفاق لشراء مسيّرات MQ-9B من شركة "جنرال أتوميكس" بنحو ملياري دولار.
-
بيان نوايا أمني لاستثمارات دفاعية مشتركة تتجاوز 38 مليار دولار، تشمل قاعدة العديد الجوية.
-
30 مشروعًا استراتيجيًا تنفذها شركة "بارسونز" الأميركية بقيمة 97 مليار دولار.
-
شراكة تكنولوجية بين "كوانتينيوم" الأميركية و"الربان كابيتال" القطرية بقيمة مليار دولار في تقنيات الكم.
هذا إلى جانب مشاريع بنية تحتية وطاقة بتكلفة 8.5 مليار دولار تشرف عليها شركة "ماكديرموت" الأميركية بالشراكة مع قطر للطاقة.
من التجارة إلى الاستراتيجية: التحالف يتحول إلى بنية أمنية واقتصادية دائمة
من يظن أن ما تم توقيعه مجرد صفقات تجارية عابرة، يغفل عن البنية التحتية السياسية التي تمهد لهذه التحركات. الرئيس ترامب، الذي لا يخفي نزعته إلى استخدام الاقتصاد كأداة دبلوماسية، يرى أن إقامة شراكات اقتصادية ضخمة هو طريق مضمون لبسط النفوذ الأميركي دون اللجوء إلى مغامرات عسكرية مكلفة.
أما قطر، فتلعب اللعبة بذكاء استثنائي. فالدوحة لا تشتري الطائرات والمحركات فقط، بل تستثمر في العلاقات الدولية، وتعزز موقعها كلاعب إقليمي فاعل، وتُثبت أن الرؤية الاقتصادية الوطنية ليست فقط طموحة، بل قابلة للتنفيذ على أعلى المستويات.
وظائف أميركية وتمكين خليجي: الفائزون الحقيقيون
بحسب بيان البيت الأبيض، فإن صفقة الطائرات وحدها ستدعم 154 ألف وظيفة أميركية سنويًا، وتخلق أكثر من مليون فرصة عمل على مدى سنوات التنفيذ. هذه الأرقام ليست تفصيلًا، بل صلب خطاب ترامب الانتخابي الداخلي، وتعبير عن تحوّل في فلسفة العلاقات الدولية: لم تعد أميركا تقدم الأمن فقط، بل تطلب مقابله استثمارات مباشرة وخلق فرص اقتصادية لشعبها.
أما في الخليج، فإن الرابح الأكبر هو قطر، التي عززت موقعها كأهم حليف اقتصادي واستراتيجي لأميركا في المنطقة، بعد أن كانت السعودية تحتل هذا الموقع تقليديًا. ومن الواضح أن هذا التحول سيكون له تبعات على ديناميكيات الخليج الداخلية، وعلى موقع قطر في خريطة التموضع الجيوسياسي، خاصة في ظل التوترات المتكررة في المنطقة.
ترامب: عائد إلى المسرح العالمي بلا قيود
هذه الزيارة ليست حدثًا اقتصاديًا فقط، بل رسالة سياسية كبرى. فالرئيس ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض مدفوعًا بموجة قومية واقتصادية جارفة، يريد أن يقول للعالم: "أميركا عادت، ولكن بشروطها".
وما شهدناه في الدوحة ليس إلا صفحة أولى من كتاب جديد عنوانه: "الشراكات الاستراتيجية القائمة على الربح المتبادل، لا الهبات أو الوصايات". ومن خلال تعزيز التعاون مع قطر، يوجه ترامب رسائل ضمنية إلى أوروبا، والصين، وإيران، بأنه سيُعيد ضبط بوصلات التحالفات الدولية بناءً على المصالح الاقتصادية والواقعية الجيوسياسية، لا على سرديات ما بعد الحرب الباردة.
إعادة تعريف مفهوم النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط
بصفقات تتجاوز التريليون دولار، وتعاون دفاعي عميق، وتحالفات تكنولوجية متقدمة، تُعيد واشنطن تشكيل وجودها في المنطقة، لا من خلال القواعد العسكرية فقط، بل من خلال الاقتصاد المتداخل والشراكات العميقة.
وهذا التحول يحمل معانٍ عديدة:
-
لم تعد العلاقة الأميركية الخليجية قائمة على تصدير النفط والحماية العسكرية، بل باتت شراكة قائمة على تكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والطيران المتقدم.
-
تتنافس قطر الآن على زعامة الرؤية المستقبلية في الخليج، مستندة إلى قدرتها على التحرك السياسي النشط والاستثمار البعيد المدى.
-
سيكون على الصين وروسيا وإيران مراجعة سياساتهم تجاه المنطقة، لأن ما يجري ليس فقط اقتصادات تتقارب، بل خرائط نفوذ يعاد رسمها.
التريليون الذي يغير المعادلات
ما حدث في الدوحة لم يكن مجرد توقيع عقود، بل إعلان واضح أن العالم القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن الزمن المقبل تُرسم ملامحه من خلال التحالفات الكبرى لا الحروب. صفقة ترامب – قطر ليست فقط نقطة تحول في علاقات البلدين، بل هي محطة مفصلية في التحول الجيوسياسي العالمي.
وفي زمن تعاني فيه معظم الاقتصادات من التباطؤ والتوتر، تقف قطر وواشنطن اليوم في موقع مختلف: شراكة مربحة، وتحالف متين، وأجندة طموحة لما يمكن أن يكون أحد أعظم المشاريع الاقتصادية – الجيوسياسية في القرن الجديد.
