مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في قلب المنطقة المقسومة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وعلى تخوم صحراء نفضت عن رمالها غبار الزمن لتكشف عن كنز جديد، أعلن البلدان الشقيقان عن اكتشاف بترولي هو الأول من نوعه منذ استئناف الإنتاج في منتصف عام 2020م. إنه حقل "شمال الوفرة وارة - برقان"، الذي يقع على بعد 5 كيلومترات شمال حقل الوفرة، ويُبشر بإمكانات كبيرة وحقبة جديدة من التوسع الطاقي والتكامل الاستراتيجي بين الجارين الخليجيين.
فمن مكمن "وارة"، وفي البئر التي حملت الاسم الرمزي "وارة برقان - 1"، تدفق النفط بمعدل تجاوز 500 برميل يومياً، ودرجة كثافة نوعية تراوحت بين 26 إلى 27 API، ما يشير إلى خام متوسط الجودة، له مكانته في الأسواق الدولية ويمنح مرونة تشغيلية عالية في المصافي (TADAWUL:2030).
هذا الاكتشاف لا يحمل فقط بعداً فنياً أو اقتصادياً بحتاً، بل يتجاوز ذلك ليحمل أبعاداً استراتيجية ترتبط بعمق العلاقة السعودية الكويتية، وبالتزام البلدين بدورهما المحوري في تزويد العالم بالطاقة، في لحظة يزداد فيها الاضطراب في الأسواق، وتتباين فيها الرؤى العالمية بشأن مستقبل الطاقة الأحفورية في ظل التحولات البيئية والسياسية.
عودة الروح إلى المنطقة المقسومة
المنطقة المقسومة، الممتدة على نحو 5770 كيلومتراً مربعاً، تُعد من أكثر المناطق حساسية وتكاملاً بين الدولتين. وعلى مدى عقود، كانت رمزاً للشراكة الرشيدة، حيث تتقاسم السعودية والكويت مسؤولية الإنتاج والاستثمار والإشراف في تناغم فريد لا يُشاهد إلا في أطر التعاون الخليجي المتقدم. وقد شهدت هذه المنطقة توقفاً في الإنتاج استمر قرابة 5 سنوات منذ عام 2014 حتى 2019، لأسباب تتعلق بالترتيبات التشغيلية والفنية، قبل أن تُستأنف العمليات فعلياً في منتصف 2020م.
واليوم، وبعد أقل من خمس سنوات على استئناف الإنتاج، يعود الحقل ليُفاجئ المختصين بخبايا لم تكن معروفة من قبل، ما يؤكد بأن باطن الأرض الخليجية لا يزال يحمل من الأسرار ما لم يُكشف عنه بعد.
دلالات فنية واقتصادية عميقة
الاكتشاف الجديد، وإن بدا محدوداً في أرقامه الأولية – 500 برميل يومياً – إلا أن الخبراء يدركون أن هذه المؤشرات لا تمثل السعة النهائية للحقل، وإنما تشكل بداية لسلسلة من الاختبارات والتحليلات الجيولوجية الدقيقة التي قد تكشف عن قدرة إنتاجية أكبر، أو عن امتدادات جيولوجية متصلة بحقول أخرى مجاورة، مثل برقان في الكويت أو مكامن الوفرة جنوباً.
إن درجة الكثافة النوعية (26-27 API) تعني أن الخام المكتشف أقرب إلى التصنيف المتوسط، وهو النوع الذي تفضله كثير من المصافي العالمية لتوازن خصائصه بين الجودة وسهولة المعالجة، ما يمنحه ميزة تنافسية في الأسواق، خاصة في ظل التغيرات في الطلب العالمي نتيجة التحول نحو الطاقة النظيفة.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الاكتشاف يحمل مؤشراً واضحاً على كفاءة الجهود المشتركة في التنقيب، ونجاح استراتيجيات التعاون التقني والجيولوجي بين الفرق السعودية والكويتية، وهو ما يعزز من ثقة المستثمرين العالميين في قدرة دول الخليج على الاستمرار في قيادة سوق الطاقة بكفاءة.
أهمية الاكتشاف في السياق الجيوسياسي
السعودية والكويت ليستا دولتين نفطيتين فحسب، بل هما أيضاً محور استقرار سياسي واقتصادي في منطقة تشهد اضطرابات متلاحقة. وقد عزز الاكتشاف الجديد من صورة البلدين كمصدرين موثوقين للطاقة، خاصة في ظل اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، والحاجة المتزايدة إلى مصادر آمنة ومستقرة للطاقة.
كما يأتي هذا الإنجاز في وقت دقيق، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية شرقاً وغرباً، وتحتدم المنافسة بين الدول الكبرى على النفوذ في أسواق الطاقة. وبذلك، فإن الاكتشاف البترولي الجديد يمثل ورقة قوة إضافية في يد الرياض والكويت، تعزز من حضورهما في المشهد الدولي وتؤكد استقلالية قراراتهما الاقتصادية.
استثمار في المستقبل… لا في الماضي
إن الحديث عن النفط في 2025 لا يمكن أن يُفصل عن النقاش العالمي حول التغير المناخي والتحول إلى الطاقات النظيفة. ولكن الواقع يُثبت أن النفط لا يزال يشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، وأن استقراره يُعد شرطاً لازماً لأي انتقال منظم للطاقة المتجددة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في تطوير الحقول الجديدة، مثل "شمال الوفرة وارة - برقان"، لا يمثل تراجعاً عن أهداف الاستدامة، بل يعكس وعياً خليجياً متقدماً بأن المستقبل لا يُبنى بالإنكار، وإنما بالتوازن بين الحاضر والتحول الذكي.
وفي هذا الإطار، يتوقع أن يترافق تطوير هذا الحقل مع تطبيقات متقدمة من تقنيات الاستخلاص الذكي والتحكم الرقمي، مما يقلل من الانبعاثات ويرفع كفاءة الإنتاج، في انسجام مع أهداف الرؤية السعودية 2030 والخطة التنموية الكويتية 2035.
هذا الاكتشاف البترولي الجديد ليس مجرد إنجاز هندسي أو رقم يُضاف إلى جداول الإنتاج، بل هو شهادة حية على حيوية الشراكة السعودية الكويتية، وعلى استمرارية العطاء الجيولوجي لهذه المنطقة التي لطالما شكّلت مركزاً طاقياً هاماً في الشرق الأوسط.
وإذا كانت الأسواق تنتظر الأرقام، فإن الخبراء يقرأون في هذا الاكتشاف رمزية أكبر: رمزية بلدين يجددان ثقة العالم في الخليج، لا فقط كمصدر للنفط، بل كمنطقة قادرة على تقديم النموذج الأمثل في إدارة الثروات، والربط بين الاستقرار السياسي والرؤية الاقتصادية.
اليوم، ينبض النفط من جديد في قلب المنطقة المقسومة. ومن هذا النبض، تستمد الأسواق طمأنينتها، وتعيد البوصلة الدولية توجيهها إلى حيث يوجد الأمن، والاستدامة، والرؤية
