مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في عالم يزدادُ اضطرابًا وتشوّشًا مع كل نشرة اقتصادية، وتتشابكُ فيه خطوط التجارة بالنفوذ، والأرباح بالقرارات السيادية، تقفُ البشرية اليوم مجددًا أمام لحظةٍ فارقة تُعيدُ تشكيل التوازنات الجيو-اقتصادية الكبرى. مكالمة واحدة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره الصيني شي جين بينغ، قد تكونُ بمثابة صمام أمان لنظام تجاري دولي يتداعى بصمت، أو ربما الشرارة الأخيرة لانفجار قد يُغيّرُ ملامح التجارة العالمية لعقود قادمة.
حين تتكلمُ المعادن النادرة بصوتٍ مرتفع
ليست هذه هي المرة الأولى التي تقتربُ فيها العلاقات التجارية الأميركية – الصينية من الحافة. ولكن ما يُميزُ الأزمة الراهنة هو دخول "المعادن النادرة" على خط الصراع، بوصفها سلاحًا جيواقتصاديًا لا يُقدَّرُ بثمن. هذه العناصر، التي تُشكّلُ العصب الحيوي لصناعات التكنولوجيا، والدفاع، والطاقة المتجددة، أصبحتْ الآن في قلب النزاع، وورقة ضغط تستخدمها بكين بدهاء استراتيجي مقابل التصعيد الجمركي الأميركي.
مع تصاعد الاتهامات من واشنطن بأن بكين تتباطأُ عمدًا في تصدير المعادن النادرة، ومع تحذيرات صريحة من انهيار محتمل لهدنة التجارة التي عُقدتْ بشق الأنفس، تتوجهُ الأنظار الآن إلى المكالمة المرتقبة بين ترامب وشي كحدثٍ مفصلي، ليس فقط لإنقاذ ما تبقى من اتفاق، بل لتحديد مستقبل العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.
تراجع الثقة... وتضاؤل المساحات الرمادية
في أروقة القرار الاقتصادي العالمي، تسودُ حالة من القلق المتزايد إزاء تآكل الثقة بين الولايات المتحدة والصين. فبينما كان الاتفاق التجاري المؤقت الموقع في أواخر عهد ترامب يُنظرُ إليه كخطوة نحو تهدئة شاملة، جاءتِ الأحداث الأخيرة لتُظهر هشاشة هذا الاتفاق. واشنطن ترى في السلوك الصيني خرقًا صريحًا للالتزامات، في حين تُصرُّ بكين على أنها تتعاملُ ضمن حدود المعقول في ظل تغيرات السوق، ومصالحها السيادية.
يبدو أن المساحات الرمادية تضيقُ، حيث لم يعدْ بمقدور أي طرف أن يُناورَ بلا تكلفة، أو أن يُؤجلَ المواجهة إلى أجلٍ غير مسمى. ومع تواتر المؤشرات السلبية، تزدادُ حاجة العالم إلى حوار مباشر، صريح، وعلى أعلى مستوى.
ترامب وشي: حديث يتجاوز الاقتصاد
يُتوقعُ أن تتجاوزَ المكالمة بين ترامب وشي نطاق الاقتصاد إلى الحديث عن استراتيجية النفوذ والتأثير. فالصين اليوم ليست مجرد شريك تجاري للولايات المتحدة، بل منافس شامل في ميادين التكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، والتمدد في آسيا وأفريقيا، وحتى النظام المالي العالمي.
الرئيس الأميركي، الذي يُواجهُ ضغوطًا داخلية متزايدة من لوبيات الصناعة والتكنولوجيا، يعلمُ أن صموده أمام الصين ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة انتخابية واقتصادية. وفي المقابل، فإن شي جين بينغ، الذي يُديرُ أكبر خطة تحديث اقتصادية – عسكرية – اجتماعية في تاريخ الصين الحديث، لا يمكنهُ التنازل عن عناصر القوة التقنية والمعرفية التي تُمثلها المعادن النادرة، دون مقابلٍ استراتيجي.
الأسواق تُراقبُ... والبورصات تتأرجحُ
منذ تسريب أخبار المكالمة المرتقبة، شهدتْ الأسواق المالية حالة من التذبذب الحاد، انعكاسًا لحالة اللايقين التي تعيشها الشركات والمستثمرون. البورصات الآسيوية تراجعتْ بفعل مخاوف انهيار الهدنة، بينما ارتفعتْ مؤشرات المعادن النادرة والأسهم الدفاعية والتكنولوجية، في إشارة إلى توقعات بمزيد من التصعيد.
أما في وول ستريت، فقد تراوحتْ ردود الأفعال بين الترقب الحذر والتفاؤل المشروط. السوق الأميركي لا يُريدُ حربًا تجارية مفتوحة، لكنه مستعد لدفع ثمن الهيمنة على مفاتيح التقنية العالمية.
رهانات دولية وقرارات تتجاوز العواصم
ليست واشنطن وبكين وحدهما على الطاولة. فالدول الأوروبية، والاقتصادات الناشئة، والحلفاء التقليديون من طوكيو إلى الرياض، ينظرونُ إلى ما يحدثُ كمعركة تُمهّدُ لمشهد عالمي جديد. البعض يُحاولُ التوسط، وآخرون يتأهبونُ للاستفادة من التحولات، بينما يتحفّزُ المستثمرون وصنّاع القرار لقرارات استباقية قد تُحدثُ تغييرًا جذريًا في سلاسل التوريد، وخريطة التجارة الدولية.
الهند، على سبيل المثال، ترى في الأزمة فرصة لتعزيز موقعها كمورد بديل في صناعات حساسة. أما دول الخليج، فهي تُراقبُ كيف سيتأثرُ الطلب على الطاقة والمعادن والصناعات المرتبطة بالتحول التكنولوجي، وكلها عناصر حاسمة في رؤية 2030 و2040 لدول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر.
ختامًا: بين العناد والبراغماتية... لحظة الحقيقة تقترب
حين ترتفعُ حرارة الصراع التجاري بين واشنطن وبكين، لا يتأثرُ فقط تجار الصلب والسيارات والشرائح الإلكترونية، بل يتأثرُ كل بيت، وكل وظيفة، وكل استثمار. الأزمة ليست تقنية، ولا محصورة في جداول الرسوم الجمركية، بل هي مرآة لنظام عالمي يتغيرُ تحت أقدامنا.
المكالمة المنتظرة بين الرئيس الأميركي والرئيس الصيني، لن تكونَ مجرد حوار دبلوماسي، بل مفترق طرق حقيقي. إما أن تفتحَ الباب لمرحلة جديدة من التفاهم المشروط، أو تكتبَ الفصل الأول من مواجهة طويلة الأمد، يكونُ فيها الاقتصاد أول الخاسرين، والمجتمعات آخر من يتعافى.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبقى الحقيقة الكبرى أن النظام التجاري العالمي يحتاجُ اليوم إلى أكثر من صفقة: يحتاجُ إلى نوايا صادقة، وآليات رقابة، وتوازنات تضمنُ العدالة لا الغلبة. فهل ستحملُ المكالمة المنتظرة بذور هذا التغيير؟ أم سنشهدُ لحظة انهيار آخر في جدار الثقة العالمي؟
نحن في "المال والأعمال العالمية" سنبقى على الخط، نرصدُ، ونحللُ، وننقلُ الحقيقة كما هي، لا كما تُروى. فالزمن لا ينتظرُ المترددين، والتاريخ لا يرحمُ المتقاعسين.
