مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في اللحظة التي تسقط فيها دولة في قبضة الإفلاس، وتتحول شوارعها إلى ميادين احتجاج، وتعلو أصوات الاستغاثة في برلماناتها، يحدث في مكان آخر، بعيدًا عن عدسات الكاميرات وصخب السياسة، شيء مختلف تمامًا: تنهض أسواق من نوع جديد، تُولد فرص مالية من ركام الكوارث، وتبدأ عملية إعادة تقييم الدين، ليس بما يحمله من أعباء اقتصادية أو اجتماعية، بل بما يمثله من فرصة مضاربية نادرة.
كيف أصبح الانهيار الاقتصادي لبعض الدول الناشئة مناسبة لصناديق التحوط والمستثمرين الجريئين ليصنعوا ثروات هائلة؟ وهل باتت هذه الظاهرة مكونًا طبيعيًا – بل مرغوبًا أحيانًا – في دورة الاقتصاد العالمي الجديد؟
الخراب.. السوق التي لا تنام
سندات الدين منخفضة التصنيف، أو ما يُعرف بـ"سندات الخردة"، لم تعد أدوات هامشية في الأسواق. هي اليوم أحد أعمدة استراتيجيات الاستثمار في فترات التقلّب. تنمو وتتكاثر في ظل ظروف الانكماش، وتزدهر حين تتعثر الدول، وتُباع وتُشترى بأثمان بخسة في أسواق ثانوية تعج بالمضاربين الدوليين.
لكن ما يُثير القلق – ويستحق التأمل – ليس فقط وجود هذه الأدوات، بل أن يصبح إفلاس الدول سلوكًا متوقعًا ومطلوبًا في بعض غرف التداول. فكلما انهارت قيمة سندات سيادية، سارع المضاربون لاقتنائها، تمامًا كما يشتري المنقب عن الذهب أرضًا محترقة لعلها تخفي كنزًا.
الديون السيادية كأدوات للمضاربة
تاريخيًا، كانت الديون السيادية تمثل رمزًا للسيادة الوطنية؛ ورقة ضمان تعكس التزام الدولة أمام العالم، وتُرتب ضمن سياق قانوني وأخلاقي صارم. لكن في النظام المالي المعولم، باتت هذه الديون مثل أي أصل مالي آخر، تُباع وتُشترى، وتُعاد هيكلتها، ويُساوَم عليها.
المفارقة الصارخة أن جزءًا كبيرًا من هذه السندات تُشترى بعد الانهيار وليس قبله، أي عندما تكون قيمة السند في أدنى مستوياتها، ويكون الشعب في أقصى درجات معاناته. يُشترى الدولار من الدين السيادي أحيانًا بأقل من 20 سنتًا، لتبدأ بعدها لعبة الاستحواذ والمفاوضة، سواء بالضغط القانوني، أو عبر آليات إعادة الهيكلة، أو حتى بالمضاربة البحتة على إشارات تعافٍ وهمي.
من الأرجنتين إلى سريلانكا.. التاريخ يعيد نفسه
نبدأ بأشهر الحالات في العقود الثلاثة الماضية:
-
الأرجنتين (2001 – 2016): صندوق "إليوت مانجمنت"، أحد أشهر صناديق التحوط في العالم، اشترى سندات بقيمة تقلّ عن 600 مليون دولار، ورفض الدخول في تسويات جماعية، مفضلًا الملاحقة القضائية أمام محاكم نيويورك. وبعد سنوات، خرج بمبلغ يزيد عن 2.4 مليار دولار. إنها ليست صفقة مالية فقط، بل سابقة قانونية أحدثت هزة في مفاهيم السيادة القضائية للدول.
-
اليونان (2012): أوروبا ذاتها لم تسلم من اللعبة. قبل إعادة هيكلة ديون اليونان، اشترت بعض الصناديق سندات بأثمان زهيدة، ثم طالبت بقيمتها الاسمية كاملة، محتمية بقوانين الاتحاد الأوروبي. حصل بعضها على مكاسب تجاوزت 100% في أقل من عامين.
-
زامبيا، لبنان، وسريلانكا: تكررت القصة مع تغييرات طفيفة في السيناريو. انهيار اقتصادي، تخفيض تصنيفات، بيع جماعي للسندات، ثم دخول لاعبين جدد بأسعار رخيصة، استعدادًا للمرحلة المقبلة: إما انتعاش مفاجئ، أو ضغط سياسي لفرض شروط سداد مربحة.
لماذا تنجح هذه الاستراتيجيات؟
الإجابة تكمن في الفراغ القانوني والتنظيمي بين ما هو أخلاقي، وما هو قانوني. فبينما يُلام السياسيون على إفشال اقتصادات بلادهم، تبقى الأسواق حرة في التصرف، ولا توجد حتى اليوم جهة دولية قادرة على ضبط سلوك صناديق التحوط في عمليات شراء الديون السيادية.
يُضاف إلى ذلك:
-
حجم السيولة العالمية: هناك تريليونات من الدولارات تبحث عن فرص استثمارية في عالم تتقلص فيه العوائد الآمنة. وحين تصبح الفائدة صفرية أو سلبية في أوروبا واليابان، تصبح سندات الخردة التي تعِد بعوائد 15% أو أكثر مغرية بشدة.
-
تسليع المخاطر: في النظام المالي الحديث، الخطر ذاته أصبح سلعة. هناك أدوات مالية معقدة يمكن عبرها المضاربة على انخفاض أو ارتفاع قيمة السندات، دون حتى امتلاكها.
-
النفوذ السياسي: العديد من هذه الصناديق لديها علاقات عميقة مع دوائر صنع القرار في الغرب. ما يجعلها قادرة على الضغط على الدول المتعثرة إما عبر المحاكم، أو من خلال المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد أو نادي باريس.
2025: قنبلة ديون موقوتة
نحن اليوم أمام مشهد عالمي أكثر هشاشة. فبينما يترقب العالم تجدد النزاعات التجارية بين القوى الكبرى، واستمرار الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، تتصاعد المخاطر في الأسواق الناشئة.
-
الديون العالمية تخطّت 315 تريليون دولار، والديون السيادية للدول النامية تمثل الجزء الأخطر منها.
-
الدول التي اقترضت بشراهة خلال جائحة كورونا، وجدت نفسها اليوم أمام استحقاقات ضخمة بفوائد أعلى.
-
أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد منخفضة، بل ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ الأزمة المالية العالمية. وهذا يعني أن خدمة الدين أصبحت عبئًا خانقًا.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الساحة مهيأة تمامًا لموجة جديدة من سندات الخردة، ستنطلق من جنوب آسيا، تمر بأفريقيا، وقد تصل إلى بعض الدول الأوروبية الشرقية، ما لم تُتخذ إجراءات وقائية عاجلة.
من يدفع الثمن؟
هنا أصل الحكاية. فمهما بلغ حجم الأرباح، ومهما تعقّدت التحليلات المالية، يبقى السؤال الأخلاقي هو الأهم: من يدفع الثمن؟
الجواب في الغالب مؤلم، لكنه واقعي:
-
موظف حكومي فقد وظيفته في زامبيا بسبب شروط التقشف.
-
متقاعد في لبنان لم يعد يتلقى راتبه.
-
أم في سريلانكا تقف في طابور للحصول على حليب لأطفالها، بينما يُسجّل المستثمرون أرباحًا من ارتفاع قيمة السندات التي اشتروا منها يومًا بـ30 سنتًا فقط.
هل من حلول؟
نحن بحاجة إلى إطار دولي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الأسواق المالية والديون السيادية. ليس لكبح الاستثمار، بل لضبطه وفق قواعد العدالة والشفافية.
-
تفعيل آلية الإفلاس السيادي تحت مظلة الأمم المتحدة.
-
سن قوانين دولية تمنع شراء الديون في وقت الأزمات لأغراض المضاربة فقط.
-
تعزيز دور المؤسسات الإقليمية في تقديم بدائل تمويلية للدول المتعثرة، بدلًا من دفعها نحو قبضة الصناديق الجشعة.
المال لا يصنع الأخلاق.. لكنه يعكسها
سوق الديون السيادية لم يعد سوقًا للتمويل، بل حلبة صراع تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية، والأهداف الربحية، والمعاناة الإنسانية.
نحن لا نعيش فقط في زمن المال الذكي، بل في عصر الربح من الرماد. عصر تتحول فيه الكارثة إلى فرصة، والمأساة إلى استثمار. ويبقى علينا – كصحفيين واقتصاديين ومواطنين – أن نسأل الأسئلة الصعبة، ونضغط من أجل بناء نظام مالي أكثر عدالة واستدامة.
