نقطة اللاعودة: هل يغير صراع إيران وإسرائيل شكل النظام الاقتصادي العالمي؟

تم النشر 17/06/2025, 17:48

في لحظات التاريخ الفاصلة، لا يكون السؤال عن حجم الحدث، بل عن مدى قدرته على تغيير المسار. واليوم، ونحن نشهد أحد أكثر التوترات الجيوسياسية خطورة في القرن الحادي والعشرين – بين إيران وإسرائيل – لم يعد التحدي محصورًا في فهم تفاصيل التصعيد، بل في إدراك نتائجه العميقة على شكل النظام الاقتصادي العالمي برمّته.

لقد دخلنا لحظة من اللحظات النادرة التي تتشابك فيها خيوط الأمن، والسياسة، والطاقة، والمال، لتنسج شبكة معقدة من الأزمات المحتملة. لحظة تجعل من كل ميناء، وكل مصرف، وكل ناقلة نفط، وكل قرار بنك مركزي… جزءًا من لعبة شطرنج عالمية قد لا يخرج منها أحد منتصرًا، حتى لو بدا كذلك مؤقتًا.

في هذا العدد الخاص، نضع أيدينا على النبض الحقيقي للأزمة، لا لنثير الذعر، بل لنفهم بعمق كيف يمكن لصراع إقليمي أن يعصف بمرتكزات التجارة، ويعيد تشكيل ملامح العولمة الاقتصادية، بل ويختبر للمرة الأولى منذ الحرب الباردة قدرة النظام الدولي على احتواء زلزال عالمي قد بات يلوح في الأفق.

جغرافيا تحت القصف… واقتصاد على شفا الانفجار

منذ بداياته، لم يكن الصراع بين إيران وإسرائيل صراعًا حدوديًا تقليديًا، بل صراع وجودي بين مشروعين إقليميين يتنافسان على النفوذ، والتأثير، وتحديد قواعد اللعبة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة… وحساسية.

لكن الجديد في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط اتساع رقعة المواجهة المباشرة، بل دخول الاقتصاد العالمي كطرف متأثر، وربما مستهدف. فالشرق الأوسط لم يعد مجرد "برميل بارود جيوسياسي"، بل بات "صندوق التحكم" في مؤشرات النفط، وسلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين، واتجاهات البنوك المركزية.

إنها لحظة انتقال الصراع من منطقة نزاع إلى مسرح عالمي، حيث تتحول القذائف إلى موجات تضخم، والغارات إلى اضطراب في التجارة، والتهديدات إلى انهيارات في الأسواق.

مضيق هرمز: الخاصرة الرخوة للعالم الصناعي

في قلب هذا التصعيد، تقف نقطة جغرافية واحدة كرمز مكثف للهشاشة العالمية: مضيق هرمز. هذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 39 كيلومترًا، تمر عبره يوميًا نحو 21% من إمدادات النفط العالمية، وأكثر من 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

أي تعطيل – ولو لساعات – في الملاحة عبر هذا الشريان قد يرفع أسعار الطاقة بشكل جنوني، ويفجر موجات هلع في الأسواق، ويجعل من أمن الطاقة العالمي هدفًا هشًا لأي قرار ميداني في طهران أو تل أبيب.

التهديد هنا ليس نظريًا. إيران لمّحت صراحة إلى خيار "الرد البحري"، بل ورفعت من وتيرة مناوراتها العسكرية في الخليج العربي. من جانب آخر، يشير سجل الهجمات على السفن التجارية في السنوات الأخيرة إلى أن المنطقة لم تعد ساحة ملاحية آمنة.

إذا أغلق المضيق أو تعرضت الملاحة فيه لشلل جزئي، فإن تكلفة التأمين سترتفع بنسبة قد تصل إلى 300%، وقد يضطر الناقلون لتغيير المسارات نحو رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى زمن الشحن… ومليارات الدولارات إلى الفاتورة العالمية.

الطاقة: من سلعة إلى سلاح

لطالما كان النفط سلعة استراتيجية، لكننا اليوم نشهد تحوّله إلى سلاح تفاوضي. إيران تعرف تمامًا أن قوتها لا تكمن فقط في صواريخها الباليستية، بل في تأثيرها على معادلة العرض والطلب في سوق الطاقة.

كل تصريح رسمي في طهران يُترجم على الفور في مؤشرات البورصة العالمية. وكل تلميح بإغلاق المضيق أو استهداف البنى التحتية يُشعل أسعار النفط في لندن ونيويورك وسنغافورة.

وهذا لا يؤثر فقط على دول الاستهلاك الكبرى، بل يشل اقتصادات ناشئة بأكملها. فارتفاع أسعار الطاقة يعني تضخما قاسيا، وعجزًا في الميزانية، وانخفاضًا في العملة، وتراجعًا في مستويات المعيشة.

ومن هنا، فإن الحرب – حتى لو بقيت ضمن حدود السيطرة – تمثل ضربة قاصمة لأي جهود عالمية لاستعادة الاستقرار بعد جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، وأزمات الديون.

التضخم… العائد من الجبهة الشرقية

لا يحتاج الاقتصاد العالمي إلى صدمة تضخمية جديدة. فهو بالكاد بدأ يتنفس من موجات الأسعار المرتفعة التي سببتها حرب أوكرانيا، وارتفاع أسعار الفائدة، وانكماش الإنتاج.

لكن صراع إيران وإسرائيل قد يعيد "وحش التضخم" إلى الواجهة، بشكل أكثر شراسة وتنوعًا.

أسعار النفط قد تتجاوز 120 دولارًا للبرميل.

الغاز المسال قد يصبح سلعة نادرة مع دخول الشتاء الأوروبي.

أسعار الغذاء سترتفع بفعل ارتفاع كلفة النقل والأسمدة والطاقة.

المواد الأولية قد تدخل في دوامة مضاربات شبيهة بأزمة 2008.

في هذا السياق، تجد البنوك المركزية نفسها مجبرة على مواصلة رفع الفائدة، أو على الأقل، تجميد أي نية لتيسير السياسة النقدية. وهذا يعني أن أسعار الاقتراض ستبقى مرتفعة، مما يبطئ عجلة النمو، ويزيد من حالات التعثر، ويرفع معدلات البطالة.

سلاسل الإمداد: التوتر البحري يعيد سيناريو الجائحة

ربما يكون أحد أكثر الدروس المؤلمة من أزمة كوفيد-19 هو هشاشة سلاسل التوريد العالمية. واليوم، يعيد الصراع الإيراني الإسرائيلي إنتاج هذه الهشاشة في سيناريو جديد… لكن أكثر تعقيدًا.

التهديدات التي تتعرض لها السفن في البحر الأحمر والخليج العربي دفعت عشرات الشركات العالمية إلى إعادة حساباتها. البعض بدأ بالفعل في تحويل مساراته، والبعض الآخر أوقف الشحنات مؤقتًا، في انتظار "ضوء أخضر" من شركات التأمين.

النتيجة: تأخير في تسليم البضائع، ارتفاع في أسعار السلع، ونقص في المواد الأولية.

المصانع في آسيا وأوروبا قد تضطر لإغلاق خطوط إنتاج، وتجار التجزئة سيواجهون نقصًا في المعروض، والمستهلكون – كما هو معتاد – سيدفعون الثمن.

الطيران والسياحة: قطاع تحت الحصار

الصراع لم يقف عند حدود البحر، بل وصل إلى السماء. شركات الطيران الكبرى بدأت بالفعل بإلغاء الرحلات إلى الشرق الأوسط أو تحويل مساراتها لتفادي الأجواء الملتهبة.

هذا التحول لا يعني فقط خسائر مباشرة لشركات الطيران، بل أيضًا ضربة قاصمة لقطاع السياحة، وخسارة مضافة لاقتصادات تعتمد على النقل الجوي.

وتشير التقديرات إلى أن التحويلات في المسارات الجوية قد ترفع التكاليف التشغيلية بنسبة 12–18%، ما يعني ارتفاعًا في أسعار التذاكر، وانخفاضًا في الطلب، وتراجعًا في العائدات.

الأسواق المالية: الهروب الكبير إلى الملاذات الآمنة

ككل مرة، الأسواق لا تنتظر تفسيرًا منطقيًا، بل تهرب بمجرد الإحساس بالخطر. ومع تصاعد التوتر، نشهد موجات بيع حادة في بورصات الشرق الأوسط، وتذبذبًا عاليًا في الأسواق العالمية، مع تدفق رؤوس الأموال نحو الذهب، والسندات، والدولار.

المفارقة أن هذا الهروب الجماعي لا يعكس فقط الخوف من الحرب، بل أيضًا من عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وتتزايد المؤشرات على احتمال خفض التصنيفات الائتمانية لبعض دول المنطقة، ما يعني زيادة كلفة الاقتراض، وتأجيل مشاريع تنموية كبرى، وتراجع في جذب الاستثمارات.

الدبلوماسية في اختبار حاسم: هل يمكن تجنب الانهيار؟

في هذه اللحظة الدقيقة، يبدو أن الاقتصاد العالمي بات رهينة لقرارات عسكرية على بعد آلاف الأميال. والرهان على أن الأمور "ستبقى تحت السيطرة" هو أقرب إلى الأمل منه إلى الواقع.

المطلوب الآن ليس فقط احتواء التصعيد، بل بناء مظلة دبلوماسية واسعة تضمن ألا يتحول الصراع إلى حرب إقليمية كبرى.

الولايات المتحدة، الصين، وروسيا ليست أطرافًا محايدة، بل لاعبين لهم مصلحة استراتيجية في استقرار الشرق الأوسط. وإذا لم يتحركوا الآن بجدية، فإنهم قد يجدون أنفسهم بعد شهور يواجهون أزمة اقتصادية شاملة لا يمكن احتواؤها عبر الفائدة أو خطط التحفيز.

العالم على مفترق طرق… والشرارة بدأت من الشرق

حين يُكتب تاريخ العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، قد تكون هذه اللحظة – لحظة تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل – هي النقطة التي غيرت وجه الاقتصاد العالمي.

فالعالم اليوم لم يعد يتحمل مزيدًا من الصدمات. الأسواق هشة، النمو بطيء، الثقة منخفضة، والهامش للمناورة يكاد يكون معدومًا.

وهكذا، فإن كل قذيفة تُطلق، وكل مضيق يُهدد، وكل ناقلة تُستهدف، لا تؤدي فقط إلى دمار محلي… بل تكتب فصلًا جديدًا من فصول الاقتصاد العالمي.

من هنا، فإن السؤال لم يعد: "ماذا لو تطور الصراع؟"، بل: "هل نحن مستعدون لتحمل نتائجه؟".

في هذا العدد، نضع على الطاولة الحقيقة كما هي، بلا تزيين، بلا تهوين، لأن إعلامًا لا يواجه الواقع… لا يستحق أن يكتبه التاريخ.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.