عاجل: في ختام الجلسة الأمريكية اليوم...تراجع الذهب وارتفاع الفضة
الصين لم تعد مرحبًا بها في قطاع الصلب البريطاني"، هكذا صرّح وزير الاقتصاد البريطاني
نعيش اليوم مرحلة من التحولات العميقة في النظام الاقتصادي العالمي. لم تعد العولمة بمعناها التقليدي – القائمة على حرية الأسواق وتدفق رأس المال – كما كانت. بل نشهد تصاعدًا واضحًا لما يمكن وصفه بـ "إعادة تقويض النظام الاقتصادي العالمي"، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية كوسائل ضغط سياسي، وتُعاد كتابة قواعد التجارة والاستثمار بناءً على مفاهيم "الأمن القومي" و"السيادة الصناعية".
بات من الطبيعي أن نرى دولًا كبرى تفرض ضرائب مفاجئة، أو تُغيّر قوانين المنافسة، أو تُلزم شركات أجنبية بالتخارج من استثمارات مشروعة، تحت غطاء حماية المصالح الوطنية. لم يعد كافيًا أن تكون مستثمرًا شرعيًا، بل عليك أن تكون "مقبولًا استراتيجيًا".
في هذا السياق، تواجه الصين اليوم رد فعل منظّمًا من الغرب ضد توسعها التجاري العابر للحدود، بعد سنوات من الاندماج التدريجي في اقتصاد السوق العالمي. ما يحدث ليس مجرد صدفة، ولا خلافات اقتصادية سطحية، بل هو صراع هيكلي على من يملك أدوات السيطرة في القرن الحادي والعشرين: هل هي رؤوس الأموال والاستحواذات؟ أم السيادة، والقوانين، والسيطرة على سلاسل الإمداد والتقنية؟
الاستحواذ لا يعني السيطرة :
الاستحواذ على الأصول لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم أو النفوذ، خصوصًا عندما يقابله عداء سياسي أو قومي من الطرف الآخر.
فحين يتحول التوسع التجاري إلى أداة ضغط بدلاً من كونه وسيلة للشراكة، تتبدل النظرة إليه من "فرصة" إلى "تهديد".
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الغرب لا يواجه الاستثمارات الصينية بالرفض المباشر دائمًا، بل يسمح بها أولًا ثم يضع عراقيل لاحقة، أو يصدر قوانين طارئة توقفها بعد أن تكتمل.
وهذا يجعل المخاطر على الصين أكثر تعقيدًا مما تتوقعه.
من المصنع الرخيص إلى التنين الطامح
في السنوات الماضية، اعتبر الغرب أن الصين مجرد مصنع رخيص للإنتاج.
فقد نقلت الشركات الأوروبية والأمريكية مصانعها وخبراتها وأسرار تصنيعها إلى الصين، بحثًا عن اليد العاملة الرخيصة.
لكن الصين لم تكن في سبات. بل كانت تتعلم وتخطط، وتستثمر العوائد لتبني إمبراطورية صناعية متكاملة.
تحركت بهدوء، واستحوذت على شركات ومصانع في أوروبا وآسيا وإفريقيا، ووسعت نفوذها إلى قطاعات استراتيجية مثل السيارات والتكنولوجيا والطاقة والرقائق الدقيقة.
وفجأة، أدرك الغرب أن "التنين" استيقظ، وبدأ يرسم خارطة جديدة للعالم الصناعي.
كيف تخلّت الدول عن أصولها الاستراتيجية؟
من المدهش أن دولًا تمتلك تاريخًا استعماريًا وتجاريًا عريقًا، سُلبت منها أصولها بسهولة نسبية.
لكن الحقيقة أن تلك الدول واجهت أزمات اقتصادية خانقة، واضطرت إلى بيع أصولها للحصول على السيولة، في حين كانت الصين تملك ما يكفي من المال لشراء كل ما هو معروض.
غير أن الأمور بدأت تتغير، خاصة بعد أن أدركت الدول الغربية أن المستثمر الصيني لا يلعب دور الشريك فقط، بل يسعى للهيمنة.
ملف شركة British Steel
شركة "بريتش ستيل" ليست مجرد منشأة صناعية، بل تمثل آخر مصنع بريطاني يستخدم الأفران العالية لإنتاج الفولاذ من خام الحديد.
تلعب دورًا محوريًا في قطاعات الدفاع والطاقة النووية والبنية التحتية. كما يقع مقرها في موقع جغرافي وبشري بالغ الأهمية (Scunthorpe).
في عام 2020، اشترت مجموعة Jingye الصينية الشركة في صفقة اعتُبرت إنقاذًا مؤقتًا.
تعهدت المجموعة باستثمار 1.2 مليار جنيه إسترليني، لكنها في عامي 2024 و2025 بدأت اتخاذ خطوات أثارت القلق:
- توقفت عن استيراد المواد الخام الحيوية.
- بدأت استبدال الأفران العالية بتكنولوجيا صينية.
- شرعت في تسريح آلاف العمال البريطانيين.
هذه الإجراءات اعتُبرت تهديدًا واضحًا للبنية الصناعية البريطانية، ما دفع الحكومة إلى عقد جلسة طارئة نادرة للبرلمان البريطاني يوم السبت 12 أبريل 2025.
النتيجة كانت إصدار قانون يسمح للحكومة بـ:
- التدخل المباشر في إدارة الشركة.
- تجميد قرارات التسريح.
- تمويل تأمين المواد الخام.
وقد صرّح وزير الاقتصاد البريطاني بوضوح: "الصين لم تعد مرحبًا بها في قطاع الصلب البريطاني".
دور الولايات المتحدة في الخلفية
الولايات المتحدة لا تزال تفرض رسومًا جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب الصينية منذ عهد الرئيس ترامب.
كما تمارس ضغوطًا مستمرة على حلفائها الأوروبيين لتقليل اعتمادهم على الصين في القطاعات الاستراتيجية، خصوصًا التكنولوجيا والاتصالات.
هذه الضغوط تجسدت في عدة قرارات أوروبية:
- فرنسا منعت شركات صينية من شراء مصانع أشباه الموصلات.
- ألمانيا أوقفت التعاون مع Huawei.
- بريطانيا تنخرط في هذه الحرب الباردة الصناعية الجديدة ضمن سياسة "إزالة المخاطر من الصين" (De-risking from China).
الطريق المسدود في إفريقيا
منذ عام 2010، استثمرت الصين مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية بدول إفريقية، ضمن مبادرة الحزام والطريق، مثل سكك حديد كينيا وموانئ جيبوتي.
لكن التجربة لم تسر كما خُطط لها.
دول مثل زامبيا وسيراليون بدأت تشكو مما وصفته بـ"فخ الديون"، حيث أصبحت الصين تسيطر على أصول حيوية بدلًا من تحصيل السداد النقدي، ما أثار موجة رفض شعبية وتشريعية.
كنتيجة لذلك، ألغت كينيا مشروع السكة الحديد مع الصين، وتوقفت أو تعطلت العديد من المشاريع.
حرب الرقائق الإلكترونية
في 2022–2023، حاولت الصين اختراق صناعة الرقائق الإلكترونية، فاستثمرت في شركات متخصصة، واستقدمت خبراء، واشترت مصانع.
لكن الولايات المتحدة ردّت بحزم، ومنعت تصدير الأدوات الحيوية لصناعة الرقائق. كما منعت شركات مثل TSMC وASML من التعامل مع الصين.
النتيجة كانت انكماشًا كبيرًا في مشاريع الرقائق داخل الصين، رغم مليارات الدولارات التي ضُخت فيها.
استحواذ Nexperia الهولندية
في عام 2019، استحوذت شركة Wingtech الصينية على Nexperia المتخصصة في أشباه الموصلات.
لكن في عام 2022، تدخلت الحكومة البريطانية وأجبرت الشركة على بيع أحد مصانعها في ويلز، بحجة "الأمن القومي".
هذا المثال يعكس نمطًا متكررًا: الاستحواذ يتم قانونيًا، لكن يتم إبطاله لاحقًا تحت دوافع سيادية أو أمنية.
أبرز المخاطر التي تواجه الصين اليوم
أولًا: المخاطر الجيوسياسية والسيادية
- الإجبار على بيع الأصول، كما حدث مع Nexperia.
- القيود على الوصول إلى التكنولوجيا، حتى في حال امتلاك المصانع أو الشركات.
ثانيًا: المخاطر الاقتصادية والتجارية
- تجميد الأرباح والعوائد، كما فعل الغرب مع روسيا، وقد يُفعل مع الصين.
- حملات المقاطعة الشعبية، التي بدأت تنتشر ضد المنتجات الممولة صينيًا.
ثالثًا: المخاطر القانونية والتنظيمية
- تغيير قوانين المنافسة لمنع السيطرة الفعلية على الشركات.
- فرض رسوم جمركية حتى على المنتجات المصنوعة داخل أوروبا.
رابعًا: في حال نشوب صراع سياسي أو عسكري
- خطر مصادرة الأصول بالكامل في حال غزو محتمل لتايوان، على غرار ما حدث مع روسيا في أوكرانيا.
خلاصة المقال
الصين اليوم تمتلك العديد من الأصول والمصانع داخل الدول الغربية، لكنها لا تمتلك السيطرة الحقيقية.
القوانين، والرأي العام، والسياسة، كلها باتت تُستخدم للحد من نفوذها، بل لعكس نتائج توسعها.
ما يحدث ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل صراع على النفوذ، تلعب فيه القوانين السيادية دورًا محوريًا.
الصين تشتري، لكن الغرب هو من يكتب القواعد.
والقاعدة الأهم: الاستحواذ ليس نهاية اللعبة... بل قد يكون فخًا متقنًا.
