بيتكوين على حافة الانهيار: الحيتان تبيع والمستثمرون الصغار يهاجمون السوق
في تلك اللحظة التي التفت فيها الجميع إلى الذهب… كانت الفضة تتقدّم
في زحمة العناوين المتكررة، وسط أصوات الصناديق الكبرى وثرثرة المحللين الماليين، كانت هناك حركة هادئة لا تكاد تُرى، لكنها كانت تكتسب زخماً على مدى أشهر. لا شيء في أسواق المال يحدث فجأة. كل موجة سعرية هي ذروة لجبل من الأسباب. وهكذا، صعدت الفضة من الظلّ إلى الضوء، لا كعنصر كيميائي يُرمز له بـ Ag، بل كلاعب استثماري حقيقي، يُعيد كتابة قواعد اللعبة بصمت.
من الظل إلى الضوء — "معدن الفقراء" يتجرّأ
دعونا نعود قليلًا إلى الوراء، إلى عام 2022، حين كان الجميع يطارد الذهب باعتباره الملاذ الأوحد في أوقات التضخم. كانت الفضة آنذاك تُتداول تحت 22 دولارًا للأونصة، ينظر إليها كثيرون كمجرّد تابع لسيدها الذهبي.
لكن في داخل الأسواق، كانت هناك تحركات دقيقة:
- كبار المصنّعين في الطاقة الشمسية بدأوا يرفعون طلباتهم.
- مستثمرو التجزئة في آسيا وأوروبا بدؤوا يشترون بكثافة.
- حتى مناجم الفضة نفسها بدأت تعاني من تأخيرات في الإمداد، في ظل شح استثمارات التعدين بعد كوفيد.
وعند هذه النقطة تحديدًا بدأت "نظرية النُدرة المعقولة" تدخل حيّز التداول.
كان واضحًا أن المعروض لن يلبي الطلب. ومن هنا، بدأت الحكاية تتغير.
زيارة ميدانية — ما قاله لي الجيولوجي الذي لم يظهر على الشاشات
في أحد الأيام الرمادية من شتاء 2025، التقيت الدكتور ماركوس ليفي، وهو جيولوجي مخضرم يعمل منذ ثلاثة عقود في تقييم مناجم المعادن في أميركا الجنوبية. في جلسة امتدت ثلاث ساعات، أخبرني بأمرين لا يظهران في تقارير المحللين:
"الفضة ليست فقط شحيحة... بل تكلفة استخراجها الآن تقارب تكلفة الذهب في بعض المواقع النائية. التكنولوجيا تستهلك منها أكثر مما نعوّض. المخزون السطحي الذي كنا نعتمد عليه نفد تقريبًا."
كلام ماركوس كان مقلقًا. ليس فقط لأن الفضة تُستهلك بشكل غير قابل للاسترداد في كثير من الصناعات، بل لأن ما يُستخرج منها اليوم لا يكفي للصناعات، ناهيك عن الاستثمار.
أدركت حينها أن السوق يتجه نحو نقطة تحوّل لم تُسجّلها بعد المؤشرات الكبرى.
ماذا يقول “وول ستريت”؟ — تقرير داخلي لم يُنشر بعد
عبر مصدر موثوق في "بنك باركليز (LON:BARC)"، حصلنا على ملخص لتقرير داخلي تم تسريبه في مارس 2025، يؤكد أن:
"تسعير الفضة يتأخر دائمًا عن الذهب لكنه يتجاوزه في الأداء عندما تتحقق موجة استثمارية ذات طابع صناعي."
وهذا ما حدث تمامًا. بينما ظل الذهب يتأرجح بين 3200–3400 دولار، قفزت الفضة في أقل من خمسة أشهر من 24 دولارًا إلى ما يقارب 38.70 دولارًا.
وبنظرة إلى بيانات صناديق الاستثمار (ETFs)، سنجد أن:
- صندوق iShares Silver Trust (SLV) زاد حجم تداوله بنسبة 41% في النصف الأول من 2025.
- الاستثمار المؤسسي في الفضة زاد 2.8 مرة مقارنة بعام 2023.
كلمة السر؟ التيسير النقدي المتوقع من الفيدرالي، والتحوّل الكبير نحو المعادن ذات الاستخدام المزدوج.
الفضة في الصناعة – الرئة التي لا تراها
في قطاع الطاقة الشمسية وحده، ازداد الطلب على الفضة بنسبة 13% مقارنة بعام 2024.
وفي لقاء مع مسؤولة الإنتاج في إحدى شركات تصنيع الألواح الشمسية بألمانيا، أخبرتني:
"كل لوحة ننتجها تعتمد على الفضة بنسبة لا يمكن الاستغناء عنها. وحين ترتفع أسعارها، لا نوقف الإنتاج، بل نتحمل التكلفة."
هذه الجملة تحمل بداخلها سرًّا مهمًا:
الطلب على الفضة غير مرن نسبيًا. أي أن السعر يرتفع، لكن الطلب لا ينخفض بشكل مباشر. وهذا ما يمنح الفضة قدرة على مواصلة الصعود دون مقاومة قوية من السوق.
الذهب يتراجع؟ الفضة تقود وحدها
للمرة الأولى منذ 2010، نشهد تحرّكًا للفضة غير مرتبط بارتفاع الذهب بشكل مباشر.
في السوق، أصبح هناك ما يُعرف بـ Silver-led rally، أي أن الفضة تُحرّك السوق لا الذهب. وهو أمر بالغ الأهمية لأنه يُشير إلى أن:
- الفضة باتت تمتلك جمهورها الخاص من المستثمرين.
- النظرة لها كـ "أصل مستقل" آخذة في التشكل.
- التقييمات لم تعد تتم بناءً على النسبة التاريخية بين الذهب والفضة فقط.
سؤال المليون دولار — هل هذا صعود مستدام؟
من خلال مقابلات مع مدراء محافظ مالية، ومحللي سلع أولية، وخبراء اقتصاد، تكررت ثلاث رؤى:
-
الرؤية المتفائلة:
- الفضة مرشحة للوصول إلى 43–45 دولارًا خلال الـ12 شهرًا القادمة.
- سبب ذلك هو استمرار شح المعروض، وضعف الدولار، وارتفاع الاستثمار الصناعي الأخضر.
-
الرؤية الحذرة:
- السوق محموم، والسعر قد يرتدّ إذا قرر الفيدرالي رفع الفائدة.
- صعود الفضة لن يكون خطيًا، بل على شكل موجات.
-
الرؤية النادرة:
- إذا حدثت أزمة سيولة عالمية، فقد تُعتبر الفضة "أصلًا هامشيًا"، وتُباع أولاً للتمويل.
لكن، كلهم اتفقوا على أمر واحد: هذا ليس مجرّد طفرة مؤقتة.
آراء المستثمرين الصغار – لقاءات من أرض الواقع
في محاولة لتجسيد الواقع، التقيت بثلاثة مستثمرين في دبي، القاهرة، وبيروت. ما جمع بينهم؟
- دخلوا الفضة منذ أواخر 2023.
- رأوا فيها فرصة بديلة عن العملات والأسهم.
- يؤمنون أنها "معدن المستقبل" في ظل التحوّل البيئي.
قال أحدهم:
"الذهب مرتفع جدًا، وأسهم التكنولوجيا متضخمة، والفضة كانت لا تزال معقولة… الآن أرى عائدًا لم أكن أتوقعه خلال 18 شهرًا."
المؤشرات الفنية والتحليل السعري
التحليل الفني للفضة يشير إلى:
- مستوى المقاومة القريب: 40 دولارًا
- الدعم القوي: 36.50 دولار
- إذا تم اختراق مستوى 40 مع حجم تداول مرتفع، فقد نصل إلى 43.80 خلال أسابيع.
لكن الأهم هو أن حجم التداول اليومي تجاوز 400 مليون دولار—وهو رقم غير مسبوق للفضة.
خطوات عملية للمستثمر اليوم
- تابع تصريحات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بدقة.
- لا تدخل بكامل رأس المال دفعة واحدة. استخدم استراتيجية التدرّج.
- استثمر عبر أدوات متنوعة: صناديق، شهادات، أو حتى الشراء الفعلي.
- راقب السوق الآسيوية: الصين والهند محرّكان أساسيان للطلب في الفضة.
ما لم يقله التاريخ… تقوله الأسواق اليوم
لطالما اعتُبرت الفضة "الظلّ الأنيق" خلف الذهب. لكنها اليوم تتحرّك وحدها، تبني هويتها، وترسم لنفسها طريقًا مغايرًا في الأسواق العالمية. صعودها لا يحمل فقط أرقامًا أو نسبًا، بل يحمل سردية كبرى عن التحوّل في فلسفة الاستثمار.
إنها ليست مجرد "ارتفاع في سعر الفضة"… بل قصةٌ عن عالم يتغيّر.
