الذهب بين السياسة والاقتصاد

تم النشر 26/08/2025, 17:14

لم يكن الذهب في أي وقت من الأوقات مجرد معدن نفيس يُقتنى للزينة أو الادخار، بل كان دائمًا مرآة تعكس سياسات الدول وتقلبات الأسواق ومخاوف الشعوب. والقرار الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلان أن واردات الولايات المتحدة من الذهب لن تخضع لتعرفة جمركية إضافية يأتي في لحظة فارقة، تتجاوز في دلالاتها حدود سوق المعادن النفيسة إلى عمق السياسات الاقتصادية العالمية.

الذهب في قلب العاصفة

في الأيام الأخيرة، شهدت الأسواق اضطرابًا غير مسبوق بعدما أصدرت الجمارك الأميركية بيانًا أوليًا يشير إلى أن بعض سبائك الذهب، لا سيما فئات الكيلوغرام الواحد والمئة أونصة، ستخضع لتعرفة جديدة. لم يكن وقع الخبر عاديًا، فقد ارتفعت أسعار الذهب فورًا إلى مستويات تاريخية، وتدفقت التحليلات التي تربط بين القرار وبين الحرب التجارية المستمرة التي تقودها واشنطن منذ سنوات.

لكن إعلان ترامب المفاجئ عبر منصته "تروث سوشال" أعاد الأمور إلى نصاب مختلف. ففي تغريدة قصيرة ومقتضبة قال: "لن تفرض تعرفات على الذهب"، دون أن يضيف تفاصيل أو يوضح خلفيات. هذه الكلمات القليلة كانت كافية لإحداث انعطافة في مسار التعاملات، إذ خفّضت من حدة الاندفاع نحو شراء الذهب وأعادت للأسواق شيئًا من التوازن المفقود.

قراءة في خلفيات القرار

ليس من المبالغة القول إن الذهب أصبح اليوم ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الاقتصادية الكبرى. فبينما تنشغل واشنطن بموازنة ضغوط الداخل مع معارك الخارج، تظل قضية التعرفات الجمركية واحدة من أدواتها الأكثر استخدامًا للتأثير في الأسواق وإعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية. لكن السؤال: لماذا كان الذهب على وشك الدخول في هذه الدوامة؟

الجواب يكمن في عاملين أساسيين:

  1. أهمية الذهب الاستراتيجية: المعدن الأصفر لم يعد مجرد ملاذ آمن للمستثمرين، بل أصبح عنصرًا من عناصر السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى. احتياطيات الذهب اليوم باتت جزءًا لا يتجزأ من معادلة النفوذ الاقتصادي.
  2. سياق الحرب التجارية: منذ أبريل، دخلت رسوم جمركية مضادة بنسبة 10% حيز التنفيذ، وهو ما أثار تكهنات بأن الذهب لن يكون بمنأى عن هذا المسار. ومع صدور رسالة الجمارك الأخيرة، بدا أن الذهب أصبح رسميًا على الطاولة.

 

ردود الأسواق والبنوك الاستثمارية

اللافت أن بنك "غولدمان ساكس"، وهو أحد أهم المؤسسات المالية العالمية، كان قد رجّح قبل أيام من هذا الجدل أن الذهب سيبقى بعيدًا عن الرسوم الجمركية. في مذكرة بحثية، أكد البنك أنه لا يرى مؤشرات فعلية على فرض رسوم على الذهب، وأبقى على توقعاته بأن يصل سعر الأونصة إلى 3700 دولار بحلول نهاية 2025 وإلى 4000 دولار بحلول منتصف 2026.

هذه التوقعات لم تكن مجرد تكهنات، بل بنيت على قراءة عميقة لمسار السياسات الأميركية والتوازنات العالمية. فالذهب، في النهاية، ليس سلعة عادية، وإنما مخزون للقيمة يُستخدم في مواجهة الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.

ارتباك الرسائل الرسمية

اللافت أن الجدل كله بدأ من وثيقة نشرت على موقع الجمارك وحماية الحدود بالولايات المتحدة، أشارت إلى أن واشنطن قد تفرض رسومًا على بعض فئات السبائك. هذا الإعلان كان كفيلاً بإشعال موجة قلق واسعة في الأسواق، خاصة أن الذهب من بين أكثر السلع تداولًا على مستوى العالم. لكن سرعان ما تدخل مسؤول في البيت الأبيض ليؤكد أن الإدارة بصدد إصدار أمر تنفيذي "لتوضيح المعلومات الخاطئة" التي رافقت الإعلان.

هذه الازدواجية في الخطاب الرسمي تطرح تساؤلات حول مدى اتساق السياسة الاقتصادية الأميركية، وهل نحن أمام ارتباك بيروقراطي، أم أن هناك اختبارات مقصودة لردود فعل السوق قبل اتخاذ قرارات مصيرية؟

الذهب كمرآة للثقة العالمية

لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن مكانة الولايات المتحدة في النظام المالي العالمي. فالدولار، الذي يستند إلى الثقة بالاقتصاد الأميركي، ظل لعقود عملة الاحتياط الأولى في العالم. لكن الذهب، من ناحية أخرى، يمثل البديل التقليدي لهذه الثقة. كلما اهتزت مصداقية السياسات الأميركية، هرع المستثمرون إلى الذهب. وبالتالي، أي حديث عن فرض رسوم على وارداته لا يُقرأ فقط كتدبير تجاري، بل كإشارة سياسية قد تعني أن واشنطن مستعدة للمغامرة بأحد أعمدة الاستقرار المالي.

التبعات على سلاسل الإمداد العالمية

لو مضت واشنطن فعلًا في فرض الرسوم على الذهب، لكان لذلك انعكاسات عميقة على سلاسل الإمداد العالمية. فالذهب لا يُستخرج بكثافة في الأراضي الأميركية، بل يُستورد من أسواق متنوعة، بدءًا من أميركا اللاتينية مرورًا بأفريقيا وصولًا إلى آسيا. أي عرقلة في تدفق هذه الإمدادات كانت ستؤدي إلى اضطرابات في أسواق السبائك والمصانع وشركات التكنولوجيا التي تعتمد على المعدن في صناعات دقيقة.

من واشنطن إلى العواصم الأخرى

ردود الأفعال لم تكن مقتصرة على الداخل الأميركي. ففي أسواق لندن وهونغ كونغ وزيورخ، ارتفعت الأسعار فور صدور بيان الجمارك، وهو ما يعكس مدى الترابط بين مراكز تداول الذهب حول العالم. هذه الترابطات تعني أن أي قرار أميركي بشأن الذهب لا يظل شأناً داخليًا، بل يتحول إلى قضية عالمية.

ترامب وخطابه الاقتصادي

من يتابع خطابات ترامب يدرك أن الرئيس الأميركي السابق والحالي لا يلتزم دائمًا بالأسلوب التقليدي في إيصال القرارات. فهو يفضل الخطاب المباشر على المنصات الاجتماعية، غالبًا دون تفاصيل كافية. هذا الأسلوب قد يكسبه مرونة سياسية أمام مؤيديه، لكنه يترك الأسواق عرضة للتقلبات العنيفة. الإعلان الأخير بشأن الذهب مثال صارخ على ذلك: كلمات قليلة أوقفت اندفاعة الأسعار، لكنها في الوقت نفسه أبقت الغموض قائمًا.

التوقعات المستقبلية

رغم كل ما حدث، تظل التوقعات بالنسبة للذهب صاعدة. فالتوترات الجيوسياسية، والتضخم العالمي، وتذبذب أسعار الفائدة كلها عوامل تدعم الطلب على المعدن النفيس. ووفق التقديرات الأخيرة، فإن الذهب مرشح للوصول إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات القادمة، بصرف النظر عن طبيعة القرارات الجمركية الأميركية.

الخلاصة: ما وراء الذهب

في نهاية المطاف، ما جرى ليس مجرد خلاف حول معدن. إنه قصة عن الثقة في السياسات، وعن مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي، وعن توازنات الأسواق التي لم تعد تحتمل الغموض. قد لا تُفرض رسوم جمركية على الذهب، لكن مجرد طرح الفكرة يكفي لتذكيرنا بأن العالم يعيش على وقع قرارات سياسية آنية قادرة على إرباك مليارات الدولارات في ثوانٍ.

إنها رسالة بأن الذهب، ذلك المعدن الذي رافق البشرية منذ فجر التاريخ، لا يزال يلعب دوره المركزي كحَكم صامت على ما تفعله الحكومات. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، تبقى الأونصة الواحدة من الذهب أكثر من مجرد قطعة معدنية، إنها شهادة على الثقة أو فقدانها، وعلى الاستقرار أو اهتزازه.

وهكذا، يدخل الذهب مرحلة جديدة، ليس فقط كأداة استثمارية، بل كأداة سياسية من الطراز الأول، يكتب بها قادة العالم فصولًا جديدة في علاقة المال بالسلطة.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.