التضخم: حين تتحول الأرقام إلى قلق إنساني

تم النشر 31/08/2025, 10:47

في كل صباح، يستمع المواطن إلى نشرات الأخبار أو يقرأ في الصحف عن معدلات التضخم: 2%، 4%، 7%. أرقام تتكرر وكأنها لغة خاصة بالاقتصاديين وحدهم. لكن الحقيقة أن هذه النسب المئوية ليست مجرد بيانات باردة، بل هي انعكاس مباشر لحياة البشر اليومية، في طعامهم، في سكنهم، وفي قراراتهم المصيرية.

الاقتصاديون يدركون أن العالم لا يسير وفق معادلات رياضية دقيقة، بل تحكمه سلوكيات البشر، بما فيها من خوف ورغبة وطموح. ولهذا حين يحدد البنك المركزي هدفًا للتضخم عند 2%، فإن المقصود في الواقع أن النطاق المقبول يتراوح بين 1% و3%. هذه المرونة تمنح الأسواق ثقة بأن الأمور تحت السيطرة. فإذا بقيت الأسعار ضمن هذه الحدود، يواصل المستثمرون ضخ أموالهم، وتستمر الحكومات والشركات والأسر في اتخاذ قراراتها من دون قلق مبالغ فيه.

لكن حين تبدأ الثقة في التآكل، ويشعر المستثمرون أن الأسعار قد تفلت من عقالها، يولد ما يسميه الاقتصاديون بـ عدم اليقين التضخمي. وهو ليس مصطلحًا مجردًا، بل حالة قلق جماعية. فالمستثمر يصبح أكثر حذرًا، ويطالب بعلاوة إضافية مقابل المخاطرة، أي “تأمين مالي” يحميه من المستقبل المجهول. هذه العلاوة تترجم إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض على الجميع:

  • الحكومة تدفع ثمنًا أعلى لتمويل مشاريعها أو لسداد ديونها، فيزداد العجز ويصعب ضبط المديونية.
  • الشركات تجد أن تكلفة الاستثمار ارتفعت، فتؤجل خطط التوسع أو التوظيف، فيتباطأ النمو ويقل خلق فرص العمل.
  • الأسر تواجه أقساطًا أعلى للقروض العقارية والاستهلاكية، فيتراجع الاستهلاك ويؤجل الكثيرون أحلامهم البسيطة كامتلاك بيت أو تعليم الأبناء.

 

التجربة التاريخية تثبت أن الخوف من التضخم قد يكون أخطر من التضخم نفسه. ففي سبعينيات القرن الماضي، شهد العالم موجة تضخم جامحة بفعل صدمات أسعار النفط والسياسات النقدية المتساهلة. لم يكن ارتفاع الأسعار وحده هو المشكلة، بل انعدام الثقة في قدرة الحكومات على السيطرة. احتاجت الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أكثر من عشرين عامًا من السياسات الصارمة لإعادة بناء هذه الثقة.

اليوم، ومع كل أزمة مالية أو سياسية، يعود شبح التضخم ليطل برأسه. جائحة كورونا مثلاً لم تترك أثرًا صحيًا فقط، بل فجرت أيضًا ضغوطًا تضخمية عالمية نتيجة تعطّل سلاسل التوريد وزيادة الإنفاق الحكومي. ومع الحرب في أوكرانيا، تضاعفت المخاوف بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. وفي كل مرة، يعيد المستثمرون حساباتهم، ويطالبون بعائدات أعلى، فتتأثر الحكومات والشركات والأسر على حد سواء.

التجارب الدولية تقدم صورًا متباينة. ففي اليابان، عانت البلاد لعقود طويلة من التضخم السلبي (الانكماش)، حيث كانت الأسعار تميل إلى التراجع لا الارتفاع، ما جعل الناس يؤجلون الإنفاق أملاً في أسعار أرخص لاحقًا. أما في أمريكا اللاتينية، فقد عرف الناس وجهًا آخر للتضخم، حيث تحولت الأرقام إلى كوابيس يومية تجاوزت أحيانًا مئات في المئة، وأصبح شراء الطعام أو الوقود تحديًا وجوديًا. هذه التجارب المتناقضة تكشف أن التضخم ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو مرآة للثقة بين الدولة والمجتمع والسوق.

الرسالة الأهم هنا أن التضخم لا يُقاس فقط في جداول البنوك المركزية، بل في نبض حياة الناس. فحين ترتفع أسعار الغذاء، يضطر الأب إلى تقليص مصروف أسرته، وحين ترتفع أقساط القروض، تؤجل الأسرة حلم شراء منزل. وحين يتباطأ الاستثمار، يواجه الشاب الباحث عن عمل أبوابًا مغلقة. كلها مظاهر إنسانية لظاهرة تبدو للوهلة الأولى مجرد أرقام جامدة.

إن الاقتصاد في جوهره ليس علماً نظريًا مجردًا، بل هو علم الإنسان: كيف يستهلك، كيف يستثمر، كيف يثق أو يشك. والتضخم بما يحمله من أبعاد نفسية وسلوكية يذكرنا أن إدارة الاقتصاد ليست مجرد ضبط أسعار أو معدلات فائدة، بل هي أيضًا فن بناء الثقة. وإذا غابت هذه الثقة، فإن أي رقم، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، يتحول إلى مصدر قلق جماعي.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية مع التضخم ليست فقط معركة سياسات نقدية ومالية، بل معركة على الثقة ذاتها: ثقة المواطن في حكومته، وثقة المستثمر في استقرار السوق، وثقة المجتمع في مستقبله. وإذا نجحنا في بناء هذه الثقة، فإن الأرقام ستتوازن وحدها، وسيصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة العواصف

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.