عاجل: الذهب يسقط من القمة عقب تصريحات ترامب - لا تلتقط سكين الذهب الهابطة
حين تتكلم الأسواق بلغة القلق. في لحظات التحول الكبرى، لا تحتاج الأسواق إلى بيانات تضخم أو تقارير وظائف كي تتحرك؛ يكفيها شعورٌ عميق بأن “قواعد اللعبة” نفسها باتت موضع سؤال. هكذا كان مشهد الذهب في تداولات يوم الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني 2026، حين اندفع السعر من نطاق 4,757 إلى 4,878 دولارًا للأونصة، مواصلًا امتدادًا صاعدًا لقفزاته القياسية منذ مطلع الأسبوع.
لم يكن هذا الارتفاع نتاج عاملٍ منفرد، بل حصيلة تراكبٍ نادر بين مخاطر جيوسياسية، وضبابية قانونية، واهتزازات غير مسبوقة حول استقلال السياسة النقدية الأميركية، في وقتٍ يتقاطع فيه كل ذلك مع ملفات ساخنة مثل غرينلاند، والتعريفات العابرة للأطلسي، ورسائل منتدى دافوس، واستمرار الحرب الروسية–الأوكرانية.
بيانات منصّات التسعير تؤكد أن الذهب سجّل هذا الأسبوع قممًا تاريخية جديدة، مع تداولات لحظية في نطاق 4,872–4,888 دولارًا، بينما تُظهر اللوحات الفنية أن السعر يتمركز أعلى متوسطاته الشهرية والسنوية بفارقٍ مريح، في إشارةٍ واضحة إلى أن السوق لا يتعامل مع الحركة كمجرّد اندفاعٍ مضاربي عابر، بل كإعادة تسعيرٍ أعمق لمفهوم المخاطر ذاته.
مشهد اليوم: تصعيد بلا سقف وضبابية بلا جدول زمني
على الساحة التجارية، صعّدت الولايات المتحدة لهجتها بفرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية، في سياقٍ مرتبط مباشرة بملف غرينلاند، مع تهديدٍ برفع الرسوم تدريجيًا من 10% في فبراير إلى 25% بحلول يونيو. الردّ الأوروبي قيد الإعداد لا يقل حدّة: حزمة رسومٍ مضادة قد تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو، مع التلويح باستخدام أداة مكافحة الإكراه (ACI)، وتعليق مسار إقرار اتفاقٍ تجاري كان في مراحله النهائية.
قضائيًا، لا يزال حكم المحكمة العليا الأميركية بشأن قانونية “التعريفات العامة” مؤجّلًا، رغم عقد جلسات الاستماع منذ نوفمبر. هذا التأجيل، بحد ذاته، أصبح عامل ضغط على الأسواق، لأنه يمدّ حالة عدم اليقين بدل إنهائها.
وفي موازاة ذلك، تتجه قضية ليزا كوك إلى المحكمة العليا، وسط محاولة رئاسية لإقالتها “لأسباب”، بينما أعلن جيروم باول أن وزارة العدل فتحت تحقيقًا جنائيًا مرتبطًا بشهادته أمام الكونغرس حول تكاليف تجديد مقر الاحتياطي الفدرالي. اجتماع هذه الملفات في توقيتٍ واحد أعاد سؤال استقلالية البنك المركزي الأميركي إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة.
كل ذلك يحدث فيما يلتقي قادة العالم في دافوس (19–23 يناير) تحت شعار “روح الحوار”، مع خطاب مرتقب للرئيس الأميركي، وفي ظل تقارير سوقية تشير إلى أن مستوى 5,000 دولار للأونصة لم يعد مجرّد سيناريو متطرف، بل حاجزًا نفسيًا دخل فعليًا في نماذج تسعير المضاربين ومديري المخاطر.
لماذا يتحرك الذهب بهذه القوة؟
1) غرينلاند:عندما تتحول الجغرافيا إلى صدمة مالية
الصراع التجاري–السيادي حول غرينلاند فجّر شهية الملاذات الآمنة. فمجرد إدخال ملف سيادي بهذا الحجم في قلب النزاع التجاري أعاد إلى الأذهان أسوأ سيناريوهات التفكك الجيو–اقتصادي. التهديدات الأميركية، مقابل الرد الأوروبي واسع النطاق، شكّلت وصفة كلاسيكية لانكماش شهية المخاطرة وتدوير السيولة نحو الذهب بوصفه أصلًا “خارج المنظومة السياسية”.
2) الضبابية القضائية: السوق يكره الانتظار
قضية التعريفات أمام المحكمة العليا تختبر حدود قانون صلاحيات الطوارئ الاقتصادية لعام 1977. ورغم مؤشرات تشكك من قضاة محافظين وليبراليين على حدّ سواء، فإن غياب الحكم النهائي أبقى الأسواق معلّقة على “خيط قانوني” رفيع. تاريخيًا، كلما طال أمد الانتظار القضائي في ملفات تمسّ التجارة والدولة، ارتفعت كلفة التحوّط… والذهب هو المستفيد الأول.
3) استقلال الفدرالي تحت المجهر
تزامن قضية ليزا كوك مع التحقيق الجنائي المتعلق بتصريحات باول خلق انطباعًا خطيرًا في الأسواق: احتمال تسييس السياسة النقدية. هذه الشبهة وحدها كافية لإضعاف الثقة بالدولار، حتى قبل أي تغيير فعلي في أسعار الفائدة. التجربة التاريخية واضحة: عندما يُشكّك المستثمرون في استقلال البنوك المركزية، يقف الذهب في الصف الأول من المستفيدين.
4) دافوس: منصة رسائل لا منصة حلول
منتدى دافوس يضخّ زخمًا إعلاميًا هائلًا، لكنه نادرًا ما يقدّم حلولًا فورية. لذلك، فإن أي خطاب متشدد حول التجارة أو غرينلاند قد يزيد التقلبات بدل تهدئتها على المدى القصير. المراكز التكتيكية تدرك ذلك، وتفضّل التحوّط المسبق عبر الملاذات الآمنة.
5) الدولار ومزاج المخاطرة
دخل الدولار عام 2026 وهو يحمل إرث عامٍ ثقيل. ومع تجدد علامات الضعف المبكر المرتبطة بالدين والسياسة، فإن كل تراجع في مؤشر الدولار (DXY) يترجم تلقائيًا قوة إضافية في الذهب، في علاقة عكسية أصبحت شبه آلية في هذه المرحلة من الدورة.
وقائع ميدانية تُبقي “علاوة القلق” مرتفعة
الحرب الروسية–الأوكرانية لا تلوح لها تسوية قريبة وفق تقديرات مراكز الأبحاث، مع مكاسب روسية محدودة وتكثيف الضربات على البنية التحتية. هذا الواقع يُبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية حاضرة في التسعير.
في أوروبا، تتصلّب النبرة السياسية تجاه واشنطن، بينما يضمن الحضور السياسي الكثيف في دافوس متابعة الأسواق لكل تصريح “لحظة بلحظة”. ومع تشعّب ملف غرينلاند، يتكرّس سلوك استثماري يمكن تلخيصه بعبارة: اشترِ الحماية أولًا… واسأل لاحقًا.
الفضة: ظلّ الذهب في سباق 2026
من منظور سلوك المستثمرين، استفادت الفضة من إعادة توزيعٍ واسع للأصول نحو المعادن الثمينة. الزخم لم ينكسر بعد، مدعومًا بمخاطر التجارة وتوقعات مسار الفائدة والدولار. من المهم التأكيد أن هذا الأداء لا يستند إلى سرديات “نقص المعروض”، بل إلى طلبٍ استثماري تحوّطي في بيئة كلية مضطربة—وهو ما ظهر بوضوح في تدفقات المنتجات المتداولة في البورصة.
القراءة الفنية: الاتجاه أقوى من الضجيج
الزخم الصاعد يهيمن على الأطر اليومية. المقاومة النفسية–السعرية الأهم تتمركز بين 4,900 و5,000 دولار، حيث يُتوقع نشاط جني أرباح ومناورات وقف خسارة.
اختراق 5,000 دولار بإغلاق يومي واضح يفتح الباب لأهداف امتدادية في نطاق 5,120–5,180 دولارًا. في المقابل، يبقى الدعم الأول قرب 4,748–4,760 دولارًا، ثم 4,620–4,640، فـ 4,536–4,585 كمنطقة احتواء أعمق لأي تصحيح.
التذبذب المرتفع يعني أن خبرًا سياسيًا أو قضائيًا واحدًا قد يولّد حركة من ثلاثة أرقام في جلسة واحدة، ما يجعل إدارة المخاطر عنصرًا جوهريًا لا خيارًا ثانويًا.
سيناريوهات الأسابيع المقبلة
- تصعيد تجاري + تأجيل قضائي إضافي: ضغط على الدولار وتوسّع في علاوة التحوّط → اختبار 5,000 دولار بسرعة.
- تهدئة تكتيكية + وضوح قانوني: جني أرباح صحي نحو 4,640–4,585 مع بقاء الاتجاه صاعدًا ما دامت 4,500 صامدة.
- تطور درامي في ملف استقلال الفدرالي: قفزة تحوّطية قد تدفع السعر فوق 5,000 قبل إعادة تموضع لاحقة.
الذهب كاستفتاء على الثقة
الذهب، في جوهره، ليس مجرد تحوّط من التضخم؛ إنه استفتاء يومي على الثقة المؤسسية. عندما تتقاطع قضية سيادية مثل غرينلاند مع نزاعٍ تجاري متعدد الطبقات، وتُعلَّق الأسواق على حكمٍ قضائي لم يصدر، ويتعاظم الجدل حول استقلال أهم بنك مركزي في العالم، تتحول الأونصة من معدنٍ ثمين إلى لغةٍ تعبّر بها الأسواق عن قلقها الجمعي.
ما بين 4,757 و4,878 دولارًا اليوم، لا يحتاج الذهب كثيرًا ليختبر 5,000؛ يحتاج فقط رسالة سياسية واحدة غير مطمئنة، أو قرارًا مؤجَّلًا آخر. وحتى لو فرضت ديناميكية الأخبار هبوطًا حادًا على الطريق، يبقى الاتجاه العام صاعدًا ما لم تُكسر بنيويًا منطقة 4,500 دولار.
إنها لحظة انضباط في إدارة المخاطر… ولحظة يذكّرنا فيها الذهب بأن الثقة، حين تهتز، يكون ثمنها دائمًا أعلى مما تتوقعه الأسواق.
