هل انتهت أسطورة ذروة الطلب على النفط؟

تم النشر 14/09/2025, 19:02

الشرق الأوسط و800 مليار برميل يعيدان رسم خريطة الطاقة العالمية

في السنوات الأخيرة، تردّد كثيراً على ألسنة خبراء الطاقة والسياسيين والمحللين مصطلح "ذروة الطلب على النفط". كان المشهد يُرسم كما لو أن العالم على وشك أن يُغلق صفحة قرن كامل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويفتح باباً جديداً على مصراعيه لعصر الطاقات المتجددة.

لكن الواقع، كما تكشفه الأرقام والبيانات الحديثة، لا يسير في هذا الاتجاه بالسرعة أو الحدة التي اعتقدها البعض. النفط لا يزال في قلب مزيج الطاقة العالمي، لا بصفته مجرد وقود للنقل أو الصناعة، بل كركيزة استراتيجية للاقتصاد والسياسة والمستقبل.

وعندما نضع هذا الواقع في ميزان الاحتياطيات النفطية العالمية، نجد أن الشرق الأوسط يظل حجر الزاوية. أكثر من 800 مليار برميل من النفط المؤكّد، نصف الاحتياطيات العالمية تقريباً، تستقر تحت أراضي هذه المنطقة، لتمنحها ليس فقط ميزة اقتصادية بل سلطة جيوسياسية لا تُضاهى.

الاحتياطيات المؤكدة: ثروة تفوق التقديرات

تعريف "الاحتياطي النفطي المؤكد" قد يبدو فنياً: إنه ببساطة الكمية التي يُمكن استخراجها اقتصادياً بالتكنولوجيا المتوفرة والظروف الحالية. لكنه عملياً يعادل خريطة النفوذ العالمية.

فالسعودية، العراق، إيران، الكويت، والإمارات تمتلك الحصة الأكبر من هذه الاحتياطيات، في وقت لا تزال فيه تكلفة الإنتاج منخفضة مقارنة بباقي مناطق العالم.

تتراوح تقديرات الاحتياطيات بين 800 إلى 835 مليار برميل في الشرق الأوسط وحده، أي أكثر من نصف الكمية المؤكدة على مستوى العالم. هذا الرقم وحده كفيل بأن يضع المنطقة في قلب أي نقاش حول مستقبل الطاقة، سواء ارتفع الطلب أو انخفض.

ذروة الطلب: أسطورة تنهار أمام الأرقام

في عام 2021، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030، أي أن الاستهلاك العالمي سيبدأ رحلة التراجع في نهاية هذا العقد. لكن مراجعة حديثة للوكالة قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب.

المسودة الجديدة تشير إلى أن الطلب سيواصل النمو حتى عام 2050، ليصل إلى 114 مليون برميل يومياً، أي أعلى بكثير من تقديراتها السابقة التي توقفت عند 93 مليون برميل.

هنا يبرز تحول جوهري: ما كان يُقدّم كحقيقة لا تقبل النقاش، أصبح مجرّد سيناريو، فيما تفرض البيانات واقعاً مختلفاً.

حتى شركات النفط الكبرى مثل إكسون موبيل، التي نشرت تقريرها "آفاق الطاقة 2050"، تعترف بأن الطلب لن يتراجع. بل ترى أن العالم قد يستهلك بين 105 و120 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن، تبعاً للسيناريوهات الاقتصادية والسياسية.

النفط كضرورة لا كخيار

تفسير هذه التقديرات ليس معقداً. فالنفط لا يُستخدم فقط في النقل والسيارات والطائرات، بل هو مادة أساسية في الصناعة والبتروكيماويات وإنتاج المواد الأولية.

من البلاستيك إلى الأسمدة، ومن الأدوية إلى الطيران، النفط ليس مجرد وقود، بل أساس صناعي يصعب الاستغناء عنه.

التحول الطاقي الذي يشهد العالم فصوله اليوم، لا يعني إلغاء النفط، بل يعني إضافة مصادر جديدة إلى المزيج. الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر جميعها ستنمو بلا شك، لكن النمو الاقتصادي العالمي، خصوصاً في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سيجعل الطلب على الطاقة يفوق ما يمكن أن توفره هذه المصادر وحدها.

تحديات الاستثمار: غياب التكرير وتراجع الإنفاق

الخبراء يحذّرون من أن الطلب المتزايد يقابله ضعف في الاستثمار. خلال العقد الماضي، شهد العالم تراجعاً في ضخ الأموال في مشاريع التكرير والاستكشاف. والنتيجة: فجوة محتملة بين العرض والطلب.

المحللة باميلا مونجر من شركة "فورتكسا" أشارت بوضوح إلى أن "لا أحد يملك التنبؤ بموعد بلوغ ذروة الطلب"، محذّرة في الوقت نفسه من ضعف الاستثمارات في القطاع.

النقص في الاستثمار في التكرير يعني أن حتى لو توفر النفط الخام، فإن القدرة على تحويله إلى منتجات نهائية ستبقى محدودة. هذا بدوره يخلق ضغوطاً على الأسعار ويزيد من حساسية الأسواق لأي خلل في الإنتاج أو التوزيع.

الأسعار: بين السياسة والسوق

من الملاحظ أن الأسعار العالمية للنفط تدور حول مستويات حساسة. تشير تحليلات إلى أن الولايات المتحدة ترى في مستوى 55 دولاراً للبرميل سعراً مرجعياً مثالياً، فيما تتوقع تقديرات أخرى أن يصل السعر إلى ما فوق 65 دولاراً بفعل ضغوط الطلب ونقص الاستثمار.

لكن ما هو أهم من السعر نفسه هو مدى تأثير السياسة في تشكيله. من البيت الأبيض إلى أوبك، ومن موسكو إلى بكين، لا تتحرك الأسعار بمعزل عن القرارات السياسية والاضطرابات الجيوسياسية.

العوامل الجيوسياسية: نفوذ الشرق الأوسط

إذا كان النفط سيظل في قلب المشهد لعقود، فإن الشرق الأوسط سيبقى اللاعب الأكثر تأثيراً.

أوبك، التي تضم معظم دول المنطقة، تملك أداة لا يستهان بها في إدارة المعروض العالمي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين قوى كبرى، فإن امتلاك احتياطيات ضخمة، وقدرة على التحكم في وتيرة الإنتاج، يمنح هذه الدول نفوذاً استراتيجياً يتجاوز سوق الطاقة ليصل إلى موازين القوى الدولية.

الطاقة المتجددة: إضافة لا بديل

ما تكشفه الأرقام هو أن الطاقة المتجددة ليست "البديل" الذي يحل محل النفط والغاز والفحم، بل "إضافة" لازمة لتلبية الطلب العالمي المتنامي.

هذا المفهوم غيّر مسار النقاش: لم يعد السؤال "متى نتخلى عن النفط؟"، بل أصبح "كيف ندير بقاء النفط في مزيج الطاقة جنباً إلى جنب مع الطاقات الجديدة؟".

الاقتصاد العالمي: محرك الطلب

النمو الاقتصادي في الدول النامية هو العامل الذي لا يمكن تجاهله.

هذه الدول بحاجة إلى طاقة رخيصة وموثوقة لدعم البنية التحتية، النقل، والصناعة. النفط، بتكلفته المنخفضة نسبيًا وقدرته على تلبية احتياجات واسعة، يظل الخيار الأول.

ومن هنا، فإن الحديث عن "انحدار الطلب" يتناقض مع الواقع الميداني في أسواق آسيا وأفريقيا.

ماذا يعني هذا للشرق الأوسط؟

إذا كان العالم سيحتاج إلى النفط لعقود طويلة، فإن الشرق الأوسط ليس مجرد مزوّد، بل مركز ثقل عالمي.

هذه الاحتياطيات الضخمة تمنح دول المنطقة فرصة لتعزيز دورها الاقتصادي والاستثماري، سواء عبر توسيع الصناعات البتروكيماوية، أو الاستثمار في التكرير والتخزين، أو حتى قيادة مسارات الطاقة المتجددة بفضل العوائد النفطية.

لكن في المقابل، التحدي يتمثل في إدارة هذه الثروة بذكاء:

  • الاستثمار في التكنولوجيا لزيادة كفاءة الإنتاج وتقليل الانبعاثات.
  • تنويع الاقتصادات المحلية لتجنب الاعتماد الكامل على النفط.
  • الاستعداد لمرحلة "إدارة النفط كسلعة استراتيجية" لا كمورد مالي فقط.

 

نحو عقد جديد من "الواقعية الطاقية"

أسطورة "ذروة الطلب على النفط" قد تكون واحدة من أكثر السرديات التي بالغ فيها الإعلام والبحث الأكاديمي.

الأرقام، سواء من وكالة الطاقة الدولية أو من تقارير الشركات الكبرى، تكشف أن النفط سيظل حجر الزاوية لعقود قادمة.

الشرق الأوسط، بفضل احتياطياته التي تتجاوز 800 مليار برميل، لن يكون مجرد طرف في هذه القصة، بل سيبقى بطلها الأساسي.

المعادلة واضحة: التحول الطاقي قادم، لكن النفط باقٍ.

التحدي ليس في استبداله، بل في إدارته بحكمة، وتوظيف عائداته في بناء مستقبل اقتصادي أكثر تنوعاً وأقل هشاشة.

وبينما يستعد العالم لعقود من "الإضافة الطاقية"، يبقى السؤال مفتوحاً: هل دول الشرق الأوسط قادرة على تحويل ثروتها النفطية إلى رافعة تنموية مستدامة، أم ستظل أسيرة لعبة الأسعار والسياسات؟

 

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.