الشراء الآن للذهب والأسهم..أم انتظار الانهيار أولًا؟ بافيت يُجيب
تواجه الولايات المتحدة مجددًا شبح الإغلاق الحكومي، وهو ما يحمل تداعيات كبيرة على المستثمرين داخل أمريكا وخارجها.
فقد فشل الكونغرس في تمرير مشروعات القوانين التمويلية اللازمة، فيما ينتهي الموعد النهائي غدًا، ما لم يتوصل المشرّعون إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة، ستتوقف أجزاء كبيرة من عمل الحكومة الفيدرالية.
تمثل الإغلاقات إشارة سلبية تعكس الخلل السياسي في أكبر اقتصاد عالمي، وتجبر المستثمرين حول العالم على إعادة تقييم المخاطر، الأمر الذي ينعكس على مختلف فئات الأصول والأسواق الجغرافية.
وهنا تكتسب الرمزية أهمية لا تقل عن الجوهر: إذ تبقى الولايات المتحدة ركيزة الأسواق العالمية، لكن كل جولة من جولات "سياسة حافة الهاوية" تتسبب في مزيد من الضرر لتلك السمعة.
وقد بدأت التداعيات بالظهور بالفعل في سلوك الأسواق. فقد قفز الذهب إلى مستويات قياسية جديدة مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة. أما عوائد سندات الخزانة فتشهد تقلبات، إذ تشير التجارب التاريخية إلى احتمال تراجعها خلال الإغلاقات، لكن أجواء الخلاف السياسي المتصاعدة ومخاوف الدين العام قد تدفعها للارتفاع هذه المرة.
لا يزال الدولار الأمريكي، باعتباره عملة الاحتياط العالمية، عرضة للتأثر بتراجع الثقة إذا ما رأى المستثمرون أن النظام السياسي في الولايات المتحدة عاجز عن إدارة شؤونه المالية.
سبق أن حدثت إغلاقات حكومية من قبل، والسجلات التاريخية تُظهر أنها غالبًا ما تكون قصيرة الأمد. فمنذ عام 1950، وقعت 21 حالة، استمر معظمها بضعة أيام فقط. لكن المدة عامل حاسم؛ إذ استمر إغلاق 2018–2019 لمدة 35 يومًا، ما كلف الاقتصاد نحو 3 مليارات دولار من الناتج المفقود بشكل دائم. وخلال تلك الفترة، تراجع مؤشر إس آند بي 500، وانخفضت عوائد سندات الخزانة، كما ضعفت ثقة الأعمال.
وما يجعل الإغلاق المرتقب أكثر إثارة للقلق هو السياق الأوسع: تباطؤ النمو العالمي، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار تشديد السياسات النقدية. وفي مثل هذا المناخ، يشكل أي مصدر إضافي لعدم اليقين عاملًا مضاعفًا للتقلبات.
لقد بدأت رؤوس الأموال الدولية بالفعل بتقليص انكشافها على الأصول الأمريكية تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، وقد يؤدي استمرار الجمود السياسي لفترة طويلة إلى تسريع هذا الاتجاه.
ومن التداعيات المهمة، وإن كانت أقل تقديرًا، للإغلاق الحكومي هو تعطيل نشر البيانات الاقتصادية الرسمية. فقد تتوقف الوكالات الفيدرالية عن إصدار إحصاءات بالغة الأهمية مثل بيانات التوظيف وتقارير التضخم. وتعتمد الأسواق بشكل كبير على هذه المؤشرات لتشكيل توقعات تخص أرباح الشركات، أسعار الفائدة، وتقييمات العملات.
وفي غيابها، يملأ التكهن الفراغ، ما يزيد من مخاطر التسعير الخاطئ والتقلبات المفاجئة في الأسواق. فالبيانات الموثوقة هي شريان الحياة لاتخاذ القرارات المبنية على أسس سليمة. وعندما تغيب، تمتد العواقب إلى ما هو أبعد من نماذج الاقتصاديين، لتقوّض سياسات البنوك المركزية، وخطط الشركات، وثقة المستثمرين.
الأسهم تُعد الأكثر عرضة للمخاطر. فعلى الرغم من أن الأسواق غالبًا ما تتجاهل الإغلاقات القصيرة، فإن الإغلاقات الممتدة تقوّض الثقة وتؤدي إلى موجات بيع. الشركات التي تعتمد على العقود الحكومية أو الموافقات التنظيمية قد تتعرض لانخفاض في الإيرادات نتيجة التأجيلات. كما أن ثقة المستهلك عادة ما تتراجع خلال فترات الاضطراب الطويلة، وهو ما ينعكس مباشرة على أنماط الإنفاق وأرباح الشركات، لينتج عن ذلك ضغط أوسع على أداء السوق.
مكانة الدولار الأمريكي أيضًا تتعرض للضغط. فرغم أنه لا يزال العملة الاحتياطية العالمية الأولى دون منافس، إلا أن تكرار مشاهد أزمات التمويل يدفع المستثمرين الدوليين إلى التشكيك في موثوقيته كملاذ آمن. وكل حلقة إغلاق جديدة تعزز الدعوات إلى تنويع الاستثمارات بعيدًا عن الأصول الأمريكية نحو بدائل مثل الذهب، عملات أخرى، وأسهم خارج الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للمستثمرين، فالدرس واضح: لا تدع المسرحيات السياسية تشلّ قراراتك، بل كن عمليًا في إدارة المخاطر. فالتمسك بالشركات ذات الأسس القوية يبقى أمرًا بالغ الأهمية، كما أن التنويع عبر المناطق الجغرافية وفئات الأصول يظل ضروريًا. والبدائل الاستثمارية، وعلى رأسها الذهب، تثبت مجددًا قيمتها كجزء من محفظة متوازنة.
من غير المرجح أن تتحسن الحسابات السياسية في واشنطن بسرعة. فحتى لو نجح المشرّعون في التوصل إلى حل مؤقت، ستظل الاتفاقات طويلة الأمد بعيدة المنال. فقد ترسخ الاستقطاب إلى درجة تجعل تهديد الإغلاقات المستقبلية قائمًا باستمرار، مما يضيف طبقة دائمة من عدم اليقين على الأصول الأمريكية.
الأسواق قادرة على تحمّل الدورات الاقتصادية، وضغوط التضخم، وحتى تحولات السياسة النقدية. لكن ما يقوّض الثقة بشكل أكبر هو الخلل في قمة السلطة. فكل إغلاق، مهما كان مؤقتًا، يضعف مصداقية أمريكا كوصي موثوق على الاقتصاد العالمي.
ومهمة المستثمرين هي التكيف مع ذلك، والتحوط ضد المخاطر السياسية الأمريكية من خلال ضمان أن تكون المحافظ متنوعة دوليًا، قائمة على أسس متينة، وقادرة على الصمود أمام الصدمات التي لا تزال واشنطن تصدرها.
