عاجل: صدور بيانات اقتصادية أمريكية هامة.. وحركة بالأسواق
ميشال صليبي.
كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro.
يتداول زوج اليورو/دولار (EUR/USD) حاليًا قرب مستوى 1.1635 بعد أن وصل اليوم الى 1.1606، وهو أدنى مستوى له في أسابيع، في ظل مزيج معقّد من العوامل الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالأسواق العالمية، تتقدمها تداعيات الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة، وتباين توجهات السياسة النقدية بين الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي. هذا التراجع في سعر الصرف يعكس بوضوح عودة الدولار إلى واجهة الملاذات الآمنة وسط تصاعد حالة عدم اليقين السياسي في واشنطن، ما أربك حسابات المستثمرين وعمّق التقلبات في أسواق العملات.
من الناحية الأساسية، جاء الإغلاق الحكومي الأميركي ليضيف بعدًا جديدًا للمشهد الاقتصادي. فشل الكونغرس في تمرير قانون الإنفاق في الوقت المحدد دفع الحكومة الفيدرالية إلى تعليق جزئي لأنشطتها، ما خلق مخاوف من تأثير مباشر على النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام. تاريخيًا، تؤدي فترات الإغلاق إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي وتراجع ثقة المستهلكين، لكنها في المقابل غالبًا ما تدفع المستثمرين نحو الأصول الأميركية، باعتبار الدولار وسندات الخزانة ملاذًا آمنًا، وهو ما نراه حاليًا في ارتفاع الطلب على العملة الأميركية رغم أن السبب في جوهره أزمة داخلية. هذه المفارقة تفسر الضغوط الأخيرة على اليورو الذي لم يتمكن من الاستفادة من تراجع شهية المخاطرة، إذ يبقى محصورًا بين ضعف النمو في منطقة اليورو وتزايد الإقبال على الدولار كأصل وقائي.
سياسيًا، يزيد الإغلاق من تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي الذي يجد نفسه أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، يتباطأ الاقتصاد الأميركي تدريجيًا، وهو ما يعزّز الدعوات إلى خفض الفائدة في الأشهر المقبلة، ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإغلاق إلى اضطرابات في البيانات الاقتصادية الرسمية، ما يجعل تقييم الوضع الفعلي للاقتصاد أكثر صعوبة. الأسواق باتت تسعّر الآن احتمالات مرتفعة بأن يقوم الفيدرالي بخفض جديد للفائدة بحلول ديسمبر، لكن ارتفاع الدولار الأخير يشير إلى أن المستثمرين يفضّلون الحذر قبل الالتزام الكامل بهذا السيناريو، في انتظار وضوح الرؤية السياسية والمالية في واشنطن.أما في منطقة اليورو، فلا يزال البنك المركزي الأوروبي أكثر تريثًا في التحرك. بيانات التضخم الأخيرة أظهرت تباطؤًا طفيفًا، لكن دون الوصول إلى مستويات مريحة تسمح للبنك بالمجازفة بتيسير إضافي. تصريحات بعض مسؤولي البنك، وعلى رأسهم كريستين لاغارد، أكدت أن الوقت لم يحن بعد لتخفيف السياسة النقدية بشكل واسع، ما يدعم نسبيًا العملة الأوروبية، وإن كان الدعم محدودًا أمام الزخم الدفاعي للدولار. هذا التباين في السياسة النقدية بين الجانبين يُبقي على الزوج في نطاق هابط متوسط المدى، مع ميل واضح نحو الدولار في الأجل القصير.
من الناحية الفنية، كسر اليورو/دولار مستوى الدعم المحوري عند 1.1640 ليتداول الآن عند 1.1635، ما يفتح المجال لمزيد من التراجع نحو المنطقة 1.1550 – 1.1500 في حال استمرار الضغوط البيعية. المتوسطات المتحركة البسيطة لـ 50 و100 يوم تشير إلى ميل هابط واضح، فيما يتحرك مؤشر القوة النسبية (RSI) دون مستوى 45، مما يعكس ضعف الزخم الصعودي. على الجانب المقابل، أي ارتداد فوق مستوى 1.1700 قد يشير إلى بداية تصحيح صاعد محدود باتجاه 1.1770، وهو مستوى المقاومة الرئيسي الذي يحتاج اختراقه لتأكيد أي انعكاس في الاتجاه العام. حتى الآن، تبقى المؤشرات الفنية داعمة للسيناريو الهبوطي طالما ظل السعر دون المتوسط المتحرك لـ50 يومًا ودون الحد العلوي للقناة الهابطة الممتدة من أغسطس.
بشكل عام، يمكن القول إنّ تراجع زوج اليورو/دولار إلى ما دون 1.1640 يعكس مرحلة إعادة تسعير عميقة لموازين المخاطر بين العملتين. فالإغلاق الحكومي الأميركي وإن كان من الناحية النظرية سلبيًا للاقتصاد، إلا أنه مؤقتًا يعزز الطلب على الدولار باعتباره العملة الاحتياطية العالمية، خصوصًا في بيئة يسودها القلق وعدم اليقين. وإذا ما استمر الإغلاق لفترة طويلة وأثّر فعليًا على بيانات التوظيف والناتج المحلي الإجمالي، فقد نرى انعكاسًا تدريجيًا في هذا الاتجاه مع عودة الضغوط على الدولار. لكن حتى ذلك الحين، تبقى الكفة تميل لصالح العملة الأميركية، ويظل اليورو تحت ضغط مزدوج: ضعف النمو الأوروبي من جهة، وعودة الدولار إلى ساحة الأمان من جهة أخرى.
في ضوء هذه العوامل، يبدو أن الزوج مرشح لمزيد من الهبوط في المدى القصير ما لم تظهر مفاجآت إيجابية من أوروبا أو انفراج سياسي في واشنطن يخفف من حدة التوتر. وحتى يتحقق ذلك، فإن أي ارتداد صعودي نحو 1.17 سيظل فرصة مؤقتة للبيع وليس بداية اتجاه صاعد جديد، ضمن بيئة تداول تتسم بالحذر والترقب الشديد.

