عاجل: البيتكوين تنهار إلى 75 ألف دولار..وخسائر 11.6% أسبوعيًا
في كتابه "مخادعون بالعشوائية"، يطرح نسيم طالب فرضية مفادها أن النجاح في بيئات معقدة كالأسواق ليس نتاج ذكاء تنبؤي، بل هو نتاج القدرة على البقاء.
هذه الحقيقة تعيد صياغة التداول من "فن التوقع" إلى "مدرسة ضد الحتمية"؛ حيث الأسواق لا تكافئ اليقين بل تعاقبه، وتتعامل مع التوقعات الجازمة بوصفها "نقاط ضعف" معرفية.
يسقط المبتدئون عادة في فخ البحث عن "القرار الصحيح"، مفترضين ارتباطاً شرطياً بين جودة التحليل وربحية النتيجة. إلا أن واقع الأسواق يفصل تماماً بين المسار (Process) والنتيجة (Outcome).
تاريخياً، يبرز مثال صندوق "LTCM" (Long-Term Capital Management) الذي ضم نوابغ وحائزين على نوبل في الاقتصاد مثل "مايرون شولز"؛ لقد كان نموذجهم "صحيحاً" رياضياً وبياناتهم "يقينية" تاريخياً، لكنهم سُحقوا لأنهم لم يتركوا مجالاً لـ "الخطأ الذي يمكن تحمله" أو في "افتراض أن الخطأ نفسه يمكن نمذجته".
هذا يعزز مقولة الفيلسوف كارل بوبر حول "القابلية للتكذيب"؛ فالمتداول المحترف لا يبحث عما يثبت رأيه، بل يتعامل مع مركزه المالي كفرضية قابلة للإلغاء في أي لحظة.
الماضي مقابل المستقبل
تكمن الأزمة المعرفية في الخلط بين قطعية الماضي واحتمالية المستقبل. فكما يرى جون ماينارد كينز، فإن الأسواق محكومة بـ "النزوات الغريزية" (Animal Spirits) التي تجعل من البيانات التاريخية مجرد مرآة للماضي.
الماضي: مختبر للبيانات المكتملة حيث يسود "الحكم بالصحة"
المستقبل: فضاء للاحتمالات المتزاحمة حيث "الحكم القطعي" هو انتحار مهني.
لذلك، ينتقل المتداول الحصيف من سؤال "ما الصحيح؟" إلى سؤال "ما الأقل هشاشة؟".
هذا التحول هو جوهر "نظرية الانعكاسية" لـ "جورج سوروس"، التي تؤكد أن تحيزات المتداولين تؤثر في الأساسيات نفسها، مما يجعل السوق في حالة سيولة دائمة ترفض النماذج المغلقة.
إدارة الخطأ لا إدارة اليقين
إن رفض اليقين ليس دعوة للعشوائية، بل هو انضباط إحصائي صارم. الفرق بين "التحليل المنضبط" و"التخمين الكسول" يكمن في هندسة المخاطر.فالمتداول المخضرم يتبنى فلسفة راي داليو في "بناء محفظة غير متلازمة"؛ حيث لا يعتمد البقاء على صحة توقع واحد، بل على قدرة النظام الكلية على امتصاص الصدمات.
إن القرار الجيد في هذه البيئة ليس هو الذي يثبت صدق التوقع، بل هو القرار الذي "إن ثبت خطؤه، لا يملك القدرة على تدميرك".
ففي الأسواق، كما في الحياة، السيادة ليست للأذكى، بل للأكثر قدرة على التكيف مع كونه مخطئاً.
