عاجل: ختام الجلسة الأمريكية اليوم...تراجع حاد لأسعار الذهب والفضة.
تشهد الأسهم الأمريكية موجة صعود ممتدة منذ عدة أعوام، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي:
هل نحن أمام سنة رابعة متتالية من المكاسب، أم عند مرحلة متقدمة من الإرهاق السعري والزمني؟
هذا المقال لا يناقش إمكانية استمرار الصعود فقط، بل يركّز على طبيعته، عمقه، وتكلفته الخفية، مع قراءة مقارنة بين القطاعات، ودروس تاريخية، وربط مباشر بين الأسهم، الاتساع السوقي، وصعود الذهب.
أولاً: السياق العام صعود قوي… لكنه غير مريح
رغم الأداء الإيجابي اللافت لمؤشرات الأسهم الأمريكية، يتزايد شعور عدم الارتياح لدى المستثمرين، ليس بسبب ضعف السوق، بل بسبب طول مدة الصعود وتناقضه مع البيئة الاقتصادية.
نحن أمام سوق ترتفع فيه الأسعار رغم:
- تباطؤ نسبي في النمو
- مستويات فائدة ما زالت مرتفعة تاريخيًا
- تركّز المكاسب في عدد محدود من الأسهم
اقتراب مؤشر S&P 500 من تحقيق مكاسب سنوية للعام الرابع على التوالي سيناريو نادر تاريخيًا، وليس مستحيلاً… لكنه دائماً مكلف.
ثانياً: السنة الرابعة… هل هي ممكنة فعلًا؟
إحصائياً، الأسواق الأمريكية حققت أربع سنوات صعود متتالية في فترات محددة، غالباً عندما توافرت أحد شرطين:
- توسع نقدي واضح
- أو قفزات إنتاجية استثنائية مثل طفرة الإنترنت
لكن الواقع الحالي مختلف:
- النمو الاقتصادي أبطأ
- التقييمات أعلى من متوسطاتها التاريخية
فما الذي يسعّره السوق إذًا؟
الإجابة ببساطة: المستقبل، لا الحاضر.
السوق يبني رهانه على سيناريو شبه مثالي:
- لا ركود
- أرباح مستقرة
- خفض فائدة منظم بلا صدمات
هذا السيناريو ممكن… لكنه هش.
وأي انحراف بسيط في أحد هذه الافتراضات قد يحوّل الصعود من استمرارية إلى إعادة تسعير مؤلمة.
ثالثاً: ما الذي يدعم هذا الصعود؟
يمكن تلخيص محركات الارتفاع الحالية في أربعة عوامل رئيسية:
1. أرباح الشركات… ولكن بشكل انتقائي
أرباح الشركات الكبرى، خصوصاً في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما زالت مرنة.
في المقابل، قطاعات واسعة بالكاد تحافظ على هوامشها، ما يكشف أن الصعود ليس شاملًا.
2. التوقعات النقدية... تسعير المستقبل لا الواقع
السوق يتصرف وكأن ذروة التشديد النقدي انتهت، ويُسعّر مرحلة مرونة قادمة، حتى قبل أن تبدأ التخفيضات فعلياً في عام 2026
3. السيولة وغياب البدائل
ما تزال الأسهم الأمريكية الوجهة الأولى عالمياً لرأس المال، في ظل ضعف جاذبية البدائل.
4. العامل النفسي: الخوف من تفويت الفرصة
عامل FOMO أصبح محركًا حقيقياً، خصوصاً لدى مديري المحافظ الذين يخشون التخلف عن المؤشرات المرجعية أكثر من خوفهم من المخاطر.
رابعاً: من يقود الارتفاع… ولماذا هذه نقطة ضعف؟
القيادة السوقية الحالية شديدة التركّز، وهي أبرز نقاط الهشاشة في هذا الصعود.
فجزء كبير من مكاسب السوق جاء من:
- قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات
- عدد محدود من الشركات ذات الوزن السعري الكبير
في المقابل، تظهر القطاعات الدورية التي يُفترض أن تقود أي توسع اقتصادي صحي أداءً متواضعاً:
- القطاع المالي: لا يعكس توسعاً ائتمانياً حقيقياً
- الصناعة: تستفيد من إنفاق حكومي أكثر من دورة ذاتية
- الطاقة: متذبذب وغير قيادي
أما باقي القطاعات، فرغم استقرارها النسبي، فإنها لا تؤكد صحة الصعود بقدر ما تعكس سلوكاً تحوطياً داخل السوق.
السؤال الجوهري يبقى:
هل السوق قوي في عمقه… أم أن المؤشر يخفي هشاشة داخلية؟
تاريخياً، الأسواق الصحية ترتفع باتساع قاعدتها، لا بتركيز مكاسبها. و هو ما يعّبر عنه في: ضعف الاتساع السوقي.
ضعف الاتساع السوقي...الخطر غير المرئي
الخطر الحقيقي في المرحلة الحالية ليس التقييم المرتفع فقط، بل ضعف الاتساع السوقي.
الاتساع يقيس عدد الأسهم والقطاعات المشاركة فعلياً في الصعود:
- في الأسواق الصحية: الأغلبية ترتفع
- في الأسواق الهشة: المؤشر يرتفع بينما تتقلص القاعدة
الوضع الحالي يشير بوضوح إلى أن جزء كبير من مكاسب السوق جاء من أسهم قليلة ثقيلة الوزن، بينما بقية السوق تتحرك عرضياً أو بضعف.
بإختصار:
التقييم المرتفع قد يستمر، لكن الصعود ضعيف الاتساع لا يستمر دون ثمن.
خامساً: هل لا يزال الشراء مناسب؟
الإجابة الصريحة: نعم… ولكن ليس للجميع، وليس بأي طريقة.
-
على المدى القصير:
العائد المتوقع محدود مقارنة بحجم المخاطر، والشراء المتأخر بدافع FOMO هو أعلى أشكال المخاطرة.
-
على المدى المتوسط والطويل:
الأسهم الأمريكية لا تزال جذابة، لكن:
- ليس شراء مؤشر
- بل شراء انتقائي
- مع إدارة مخاطر صارمة
نحن أمام سوق:
- صاعد
- لكنه غير رخيص
- ويعاقب الأخطاء بسرعة
سادساً: ماذا يقول التاريخ؟
التاريخ لا يمنع الصعود الطويل… لكنه يحذّر من طبيعته.
في الولايات المتحدة:
- الولايات المتحدة (منتصف التسعينات): صعود ممتد سبق فقاعة الدوت كوم
- أواخر العقد الماضي: صعود ممتد انتهى بصدمة خارجية غير متوقعة تمثّلت في جائحة كوفيد19، وما تبعها من إعادة تسعير عنيفة للمخاطر.
في أسواق أخرى:
- اليابان أواخر الثمانينات: صعود قطاعي ضيق أعقبه ركود طويل
- بعض الأسواق الأوروبية مثل اليونان، إيطاليا، إسبانيا بين 2004–2007: صعود مدفوع بثقة زائفة قبل انفجار أزمات الديون السيادية لاحقاً.
الدرس الواضح:
الصعود ليس المشكلة… المشكلة عندما يصبح قائمًا على التوقعات وحدها.
سابعاً: لماذا يرتفع الذهب مع الأسهم؟
في المراحل المتقدمة من الصعود، قد ترتفع الأسهم والذهب معًا.
السبب؟
- الأسهم تعكس التفاؤل
- الذهب يعكس التحوط من فشل هذا التفاؤل
المستثمرون الكبار لا يشترون الذهب رهانا على انهيار فوري، بل كتحوط من:
- خطأ السياسات
- أو إعادة تسعير مفاجئة
صعود الذهب لا يعني فقدان الثقة بالأسهم، بل يعكس ارتفاع تكلفة الخطأ.
ثامناً: إلى متى يمكن أن يستمر هذا المسار؟
لدينا ثلاثة سيناريوهات واضحة:
-
الاستمرار:
تباطؤ ناعم، أرباح مستقرة، وصعود أبطأ.
-
الإنهاك الزمني:
سوق عرضية طويلة تستنزف المستثمرين دون انهيار حاد.
-
إعادة التسعير:
صدمة اقتصادية أو مالية تعيد تقييم المخاطر بسرعة.
السوق حالياً يسعّر السيناريو الأول… ويتجاهل كلفة الآخرين.
الخاتمة
عندما ترتفع الأسهم الأمريكية للعام الثالث وربما الرابع، ويرتفع الذهب معها، فهذا يعني أن السوق يتقدم… لكنه غير محصّن.
ضعف الاتساع يضيّق هامش الخطأ، وصعود الذهب يرفع تكلفة تجاهل المخاطر.
الفرصة ما زالت موجودة، لكن الخطأ أصبح أغلى من أي وقت مضى.

