عاجل: ختام الجلسة الأمريكية اليوم... الذهب يتعافى والفضة ترتفع
شهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية أزمات مالية واقتصادية لم تولد فجأة، بل تشكّلت بصمت عبر فقاعات تضخّمت تدريجياً قبل أن يتحول انفجارها إلى حدث يعيد رسم المشهد الاقتصادي العالمي بالكامل. التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، لكن القاسم المشترك يبقى واحداً: تسعير يسبق القيمة الحقيقية بفارق مقلق.
اليوم، يحذّر خبراء ومؤسسات دولية من تشكّل ثلاث فقاعات رئيسية، تختلف في طبيعتها لكنها تتفق في جوهرها، صعود أسعار أسرع من الاقتصاد الحقيقي، تراكم ديون بوتيرة غير مسبوقة، وسيولة ضخمة تعيد توزيع المخاطر بدل أن تلغيها.
أولاً: فقاعة الديون السيادية العالمية
العالم يدخل مرحلة الاقتراض المكلف، حيث تقترض الحكومات اليوم ليس للاستثمار أو النمو، بل في كثير من الحالات لتسديد فوائد ديون سابقة، تقرير الاستقرار المالي الأخير لصندوق النقد الدولي أظهر مساراً تصاعدياً مقلقاً للدين العام ومخاطر تسارع تراكمه.
إجمالي الدين العالمي تجاوز 310 تريليونات دولار، أي ما يزيد على 330% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأخطر أن فوائد هذه الديون وحدها تُقدَّر بنحو 15 تريليون دولار سنوياً، دون احتساب أصل الدين، هذا العبء الهائل يرفع حساسية الأسواق لأي صدمة في أسعار الفائدة أو تباطؤ في النمو، ويجعل الاستقرار المالي رهينة لسياسات نقدية دقيقة بهامش خطأ ضيق جداً.
ثانياً: فقاعة الذكاء الاصطناعي وأسهم التكنولوجيا
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا موجة تفاؤل جارفة تُشبه إلى حدّ بعيد أجواء فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات.
في أكتوبر الماضي، حذّر صندوق النقد الدولي من قابلية هذه الأسواق لتصحيحات حادة في حال تغيّر المعنويات أو خيّبت الأرباح المستقبلية التوقعات العالية.
القيمة السوقية لما يُعرف بـ العظماء السبعة ( آبل AAPL ، مايكروسوفت MSFT ، أمازون AMZN ، ألفابت GOOGL ، ميتا META – إنفيديا NVDA ، تسلا TSLA ) تجاوزت نحو 35% من الوزن الكلي لمؤشر S&P 500، وهو مستوى تركّز لم يُسجَّل منذ فقاعة عام 2000.
ورغم هذا الثقل الهائل، لا تمثل أرباح هذه الشركات حالياً سوى قرابة 20% من إجمالي أرباح الشركات المدرجة على المؤشر.
الأمر الأكثر حساسية يكمن في التقييمات، إذ تتراوح مضاعفات الربحية المتوقعة لبعض شركات الذكاء الاصطناعي بين 40 و60 مرة للأرباح المستقبلية، مقارنة بمتوسط تاريخي للمؤشر يقارب 16 مرة.
شركة واحدة مثل إنفيديا أضافت أكثر من تريليوني دولار إلى قيمتها السوقية خلال أقل من عامين، ما يعني أن أي تباطؤ في النمو أو تعديل في التوقعات قد يفتح الباب أمام تصحيح مؤلم وسريع.
ثالثاً: فقاعة العملات المشفّرة
سوق العملات المشفّرة يقف في منطقة رمادية بين الاستثمار والتكنولوجيا والمضاربة، البنك المركزي الأوروبي حذّر في تقرير الاستقرار المالي الصادر في نوفمبر الماضي من أن هذا التداخل المتنامي يتطلب مراقبة لصيقة، في ظل مؤشرات واضحة على تصاعد الطابع المضاربي واستخدام الرافعة المالية في أجزاء من السوق.
القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفّرة بلغت في عام 2021 نحو ثلاثة تريليونات دولار، ثم هبطت في أول اختبار حقيقي إلى أقل من 900 مليار دولار، قبل أن تعود خلال العام الحالي إلى مشارف ثلاثة تريليونات مرة أخرى، هذه التقلبات الحادة تعكس طبيعة سيولة سريعة الحركة تتقدم وتتراجع أسرع بكثير من الأساسيات.
تشير التقديرات إلى أن أقل من 15% من التداولات مرتبط باستخدامات حقيقية، ما يجعل هذه السوق عالية السيولة لكنها ضعيفة الجذور الاقتصادية، وسريعة التأثر بتغيّر المعنويات والتنظيمات.
رابعاً: ما الذي قد يشعل الانفجار؟
رغم اختلاف طبيعة هذه الفقاعات، فإن الشرارة غالباً لا تكون حدثاً درامياً واحداً، بل تراكماً لعوامل تبدو في ظاهرها طبيعية، من أبرز هذه المحفزات تشديد نقدي أطول من المتوقع، أو بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة تُنهك هوامش الأرباح والقدرة على خدمة الديون، كذلك أي خيبة في نمو الأرباح الفعلية مقارنة بالتوقعات المتفائلة قد تعيد تسعير المخاطر بسرعة، خاصة في أسهم التكنولوجيا عالية التقييم.
في جانب الديون، يكفي تعثّر دولة كبيرة أو سلسلة تخفيضات ائتمانية متزامنة لتتحول المخاوف النظرية إلى أزمة ثقة حقيقية في أسواق السندات، أما في العملات المشفّرة، فغالباً ما يكون التنظيم الصارم، أو انهيار كيان كبير، أو انكشاف مفرط للرافعة المالية هو العامل الذي يقلب المعادلة خلال أيام.
المشكلة أن الأسواق لا تنتظر اكتمال الصورة، بل ستكفي بتغير السردية، فعندما ينتقل الخطاب من النمو مهما كان الثمن إلى إدارة المخاطر أولاً تتحول السيولة من وقود للصعود إلى عامل يسرّع الهبوط.
خامساً: لماذا لا يراها السوق الآن؟
لأن الأسواق تعيش حالياً تحت وهم السيطرة، سنوات من التدخلات النقدية السريعة خلقت قناعة شبه راسخة بأن أي تصحيح عميق سيقابله إنقاذ فوري، وأن البنوك المركزية ستتدخل دائماً قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة، هذا الاعتياد على شبكة الأمان جعل المستثمرين أقل حساسية للمخاطر وأكثر استعداداً لتجاهل الإشارات التحذيرية.
إضافة إلى ذلك، تعمل ظاهرة القطيع و FOMO على تضخيم هذا الوهم، فطالما أن الأسعار ترتفع، يصبح التشكيك مكلفاً نفسياً ومهنياً، القلق يُؤجَّل والمخاطر تُعاد تسميتها كفرص، إلى أن تأتي لحظة يتغير فيها السرد فجأة و يكتشف السوق أن أدوات الإنقاذ ليست بلا حدود، ولا بلا كلفة.
خلاصة:
الفقاعات لا تبدو دائماً خطراً آنياً، وقد تستمر لفترات أطول مما يتوقعه المتشائمون، لكنها في جوهرها إنذار مبكر.
التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن الفقاعات نادراً ما تنفجر فجأة، لكن عندما يبدأ التصحيح، تكون كلفته غالباً أعلى بكثير من قدرة الأسواق والمستثمرين على الاحتمال.
ليس السؤال الأهم : هل ستحدث التصحيحات؟
بل: متى، ومن سيكون مستعداً لها؟

