الذهب إلى 6600$ دولار… لكن القصة ليست في الرقم!

تم النشر 10/02/2026, 09:07


دعونا نبدأ من النقطة التي يتجاهلها معظم المحللين عمداً: 5,594 دولار للأونصة كأعلى قمة للذهب إلى الآن ليس رقماً مرتفعاً بحد ذاته. بل الشيء المرتفع هو أن العالم قبل هذا السعر دون مقاومة حقيقية.
في دورات سابقة، كانت الأسواق ترتجف عند كل قمة تاريخية جديدة للذهب. كانت العناوين تصرخ: “فقاعة!”، “تشبع شرائي!”، “قمة لن تدوم!”. أما اليوم، فالمشهد مختلف… مقلق في هدوئه.
الذهب يتداول قرب 5,030 دولار حتى لحظة كتابة المقال، والمؤسسات لا تهرب، والبنوك المركزية لا تتراجع، والسوق.. بدل أن يسأل “لماذا ارتفع؟”، بدأ يسأل بهمس أخطر: وماذا لو كان هذا هو التسعير الطبيعي الجديد؟

القمم التاريخية لم تعد تخيف “اللاعب الحقيقي”

في الماضي، كان الوصول إلى قمم تاريخية يعني شيئاً واحداً:بائعون ينتظرون، وأما اليوم فالعكس هو ما يحدث .
البنوك المركزية — وهي اللاعب الأكثر تحفظاً والأبعد عن المضاربة — واصلت شراء الذهب حتى عند القمم، وحتى بعد سنوات من الصعود المتواصل. وهنا يجب التوقف قليلاً يا عزيزي القارئ:
هذه الجهات لا تشتري لتحقيق ربح فصلي، ولا تُدار بعقلية “اشترِ وقم بالبيع”.
البنك المركزي عندما يشتري الذهب، فهو:
يخفّض انكشافه على الدولار ، ويؤمّن احتياطياً سيادياً خارج النظام المالي القائم ، ويراهن على عدم استقرار طويل الأمد، لا على حركة سعر.
بمعنى آخر:
عندما تشتري البنوك المركزية الذهب عند قمم تاريخية، فهي لا ترى القمة… بل ترى مخاطر أكبر بكثير خلف الأفق.

السؤال الذي لا يريد السوق طرحه: هل يمكن أن يعود الذهب إلى قيعان عميقة؟

بعد كل دورة صعود قوية، يظهر السؤال الكلاسيكي: “هل سيعود الذهب إلى 3500$ مثلاً؟”
نظرياً، كل شيء ممكن..لكن عملياً؟ هذا السيناريو أصبح أقرب إلى الخيال الاقتصادي منه إلى التحليل الواقعي.
لماذا؟
لأن القيعان العميقة تحتاج إلى ثلاثة شروط مجتمعة:

  1. ثقة عالية ومستقرة بالنظام النقدي العالمي

  2. فائدة حقيقية مرتفعة ومستدامة

  3. توقف الطلب المؤسسي طويل الأجل

ولا واحد من هذه الشروط متوفر حالياً… ولا يبدو في طريقه للتحقق.

البنوك المركزية كسرت “منطق القاع”

القاعدة القديمة كانت تقول:“الذهب يُشترى في الأزمات ويُباع في الاستقرار.” لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو كسرٌ كامل لهذه القاعدة.
البنوك المركزية لم تنتظر انهيارات ولم تنتظر تصحيحات عميقة ولم تنتظر “سعراً مناسباً”، بل اشترت الذهب كمن يشتري تأميناً وجودياً، لا صفقة.وهنا تكمن الاستحالة الحقيقية لعودة الذهب إلى قيعان تاريخية عميقة:
أي هبوط قوي سيقابل بطلب سيادي شرس، لا بطلب مضارب هش.
أي ببساطة:كل انخفاض أصبح فرصة تراكم، وليس بداية انهيار للسعر.

ماذا لو واصل الذهب الصعود إلى مستويات “غير منطقية”؟

دعنا نطرح السؤال الأخطر — وليس الأكثر شيوعاً: ماذا لو رأينا الذهب عند 6,000 و 7,000 دولار؟
السؤال الحقيقي ليس: “هل هذا ممكن؟ ”بل:“ ما الذي يجب أن يحدث في العالم ليصل الذهب إلى هناك؟
والإجابة مقلقة:

  • تآكل أعمق في الثقة بالعملات الورقية

  • تصاعد في الديون السيادية دون حلول حقيقية

  • نظام نقدي عالمي يبحث عن مرساة جديدة

  • وربما عالم يعيد تعريف مفهوم “الاحتياطي” نفسه

  •  

في هذه الحالة، لن يكون الذهب هو المشكلة…بل العالم الذي أوصله إلى هناك.
وبعيداً عن شاشات التداول، هناك سوق لا يكذب..عندما يرتفع الغرام، يشعر به المستهلك ويلاحظه التاجر ويتحدث عنه الناس قبل المحللين، واليوم، سعر غرام الذهب ليس مجرد نتيجة حسابية للأونصة، إنما مؤشر اجتماعي يعكس ضعف العملة وقلق الادخار وتغير نظرة الناس إلى المال نفسه وهذا ما يجعل دورة الذهب الحالية مختلفة.. فهي ليست دورة مضاربين بقدر أن تكون دورة وعي مالي جماعي بالمعنى الحرفي.
.سعر غرام الذهب عيار 24 - الإطار الزمني لآخر 90 يوماً - المصدر Gooldex.com

الذهب لم نعد نقيسه بالقمة هذه الأيام… بل بالقاعدة

سؤالنا أيضاً هنا - في نفس السياق - لم يعد:“هل الذهب مرتفع؟”بل:“ما هو القاع الجديد الذي أصبح السوق مستعداً للدفاع عنه؟”.
ومع وجود بنوك مركزية تشتري عند القمم، ومؤسسات تعيد هيكلة محافظها حول الذهب، يصبح الحديث عن “قيعان عميقة” أقرب إلى حنين لأسواق لم تعد موجودة. فنحن لا نعيش فقاعة تقليدية.نحن نعيش مرحلة إعادة تسعير تاريخية تنبأنا بها وذكرناها مراراً كمحللين وخبراء ومختصين في العديد من أبحاثنا ودراساتنا للسوق والمنشورة على Investing.com ، قد تكون بدايتها مزعجة هذه المرحلة التي نتحدث عنها، لكن تجاهلها أخطر.

التحليل الفني:

إذا انتقلنا من السرد الاقتصادي إلى الرسم البياني الأسبوعي، فإن أول ما يلفت الانتباه ليس السعر… بل طريقة وصوله.
الذهب يتحرك منذ منتصف 2024 داخل قناة صعود واضحة ومنضبطة، بميول إيجابية ثابتة، دون تسارع عمودي أو شموع تشير إلى فقاعة مضاربية قصيرة الأجل. هذه نقطة مفصلية يغفلها كثيرون.

رسم بياني تحليلي لحركة سعر الذهب على الإطار الزمني الأسبوعي -tradingview
القناة الصاعدة: صعود مُدار لا اندفاعي
الرسم الأسبوعي يُظهر:

  • قاعاً أعلى من قاع

  • قمماً أعلى من قمم

  • واحتراماً متكرراً لخط الاتجاه السفلي للقناة


هذا النوع من الهياكل السعرية لا ينتهي عادة بانهيار، بل:

  • إما باستمرار صعود متدرج

  • أو بتصحيح جانبي/مائل يعيد التوازن دون كسر الاتجاه


بمعنى أدق:
نحن أمام اتجاه مؤسسي، لا موجة مضاربين.

مناطق السيولة لا تزال أسفل السعر… لا فوقه

من خلال توزيع الحجم السعري (Volume Profile) الظاهر في الرسم:

  • منطقة 4,200 – 4,400 دولار تمثل أكبر تجمع سيولة تاريخي

  • هذه المنطقة ليست “فراغاً سعرياً”، بل منطقة:

    • دخول

    • تراكم

    • وإعادة تمركز مؤسساتي سابق


وهذا له دلالة خطيرة:أي هبوط باتجاه هذه المنطقة سيُقابل بتفاعل قوي، لا فراغ بيعي.
لهذا السبب تحديداً، يصبح الحديث عن عودة الذهب إلى قيعان بعيدة أقرب إلى كسر بنيوي ومفصلي للنظام المالي منه إلى سيناريو تصحيحي طبيعي.

مستويات الاتجاه الواقعية… وليست العاطفية

من منظور فني بحت، وبالاعتماد على الهيكل الحالي:

  • 5,588 – 5,960 دولار مناطق امتداد داخل القناة (Targets منطقية )

  • 6,445 دولار – 6,600 دولار قمم استهداف طموحة للأسابيع القليلة القادمة

  • 5,113 دولار مستوى تفاعل/تذبذب قصير الأجل، وليس كسر اتجاه

  • 4,560 دولار أول دعم ديناميكي حقيقي في حال تصحيح صحي

  • 4,398 – 4,242 – 4,207 دولار هذه ليست “قيعان انهيار”، بل مناطق إعادة توازن داخل الاتجاه الصاعد ، وأستبعدها من منظور شخصي لهذا الشهر.

وهنا الخلاصة الفنية الأهم:
لكي نرى “قيعان عميقة”، يجب كسر القناة كاملة، وكسر مناطق السيولة، وتحول البنية من Higher Highs / Higher Lows إلى العكس. ولا يوجد حالياً أي إشارة فنية أسبوعية تدعم هذا السيناريو.

في النهاية .. ماذا يقول لنا الرسم فعلاً؟

الرسم لا يقول: “اشترِ الآن” ولا يقول: “بع فوراً” بل يقول شيئاً أخطر:
“السوق لم ينتهِ بعد من إعادة تسعير الذهب.”
القمم هنا ليست قمم ذعر، بل محطات انتقال داخل اتجاه طويل النفس.. وهذا ينسجم تماماً مع السلوك الذي نراه من البنوك المركزية:

  • شراء عند القمم

  • دفاع عن القيعان

  • وعدم اكتراث بالتذبذبات قصيرة الأجل


التحليل الأساسي يشرح لنا لماذا الذهب قوي.. والتحليل الفني يثبت كيف يتحرك هذا الزخم على الأرض، وعندما يتفق الاثنان على:

  • سياسة نقدية رمادية

  • طلب سيادي مستمر

  • وهيكل سعري صاعد غير مكسور


فإن الرهان على قيعان تاريخية عميقة يصبح رهاناً على انهيار نظام، لا مجرد تصحيح سوق.
وأخيراً .. يقول الصحفي البريطاني الشهير "ويليام ريس موج 14 يوليو 1928- 29 ديسمبر 2012" :الحكومات تكذب، يكذب المصرفيون، حتى المدققون يكذبون أحياناً .. الذهب يقول الحقيقة".
هذا المقال يقدم قراءة تحليلية اقتصادية ولا يُعد توصية مباشرة بالبيع أو الشراء. القرار الاستثماري يبقى مسؤولية القارئ وفق استراتيجيته وإدارة مخاطره.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.