عاجل: البيتكوين تلامس الـ 74 ألف دولار..تصفية الدببة في يوم إفلاس عملاق التداول
في لحظات قليلة فقط، يمكن للأسواق أن تنتقل من نشوة التفاؤل إلى حافة الذعر، هذا ما حدث يوم الإثنين 9 مارس الجاري، عندما قفزت أسعار النفط نحو 120 دولاراً للبرميل، وتراجعت العقود المستقبلية للأسهم مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، قبل أن تعود الأسواق لالتقاط أنفاسها بعد إشارات سياسية عن احتمال احتواء الصراع
لكن خلف هذا الهدوء المؤقت، تتشكل عاصفة أكبر. فالعالم المالي لا يواجه أزمة واحدة، بل ثلاث صدمات متزامنة، حرب تهدد الطاقة العالمية، وثورة ذكاء اصطناعي قد تعيد رسم خريطة الشركات، وتصدعات تتسع داخل سوق الائتمان، وكل واحدة منها قادرة وحدها على إرباك الاقتصاد العالمي، فكيف إذا اجتمعت في اللحظة نفسها؟
الحرب تشعل موجة التقلبات
أعاد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط الأسواق إلى حالة التوتر القصوى. فمع بدء التداولات، قفزت أسعار النفط بشكل حاد، بينما تراجعت العقود المستقبلية للأسهم العالمية. إلا أن تصريحات سياسية لاحقة عن احتمال اقتراب نهاية الصراع هدأت الأسواق سريعاً، ليهبط النفط إلى ما دون 90 دولاراً ويسجل مؤشر S&P 500 أكبر مكاسب يومية له خلال شهر.
ورغم هذا الارتداد السريع، فإن الصدمة التي أحدثها التصعيد العسكري قد لا تكون عابرة. فالمستثمرون يدركون أن مجرد اندلاع الحرب كشف هشاشة التوازن في الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع اعتماد أسواق الطاقة على ممرات بحرية حساسة،وقد انعكس هذا القلق بوضوح في مؤشر التقلبات “vix” الذي قفز مؤقتاً فوق مستوى الـ 35، أي أكثر من ضعف مستواه في بداية العام، في إشارة إلى أن المستثمرين يستعدون لفترة طويلة من الاضطراب.
ثلاث صدمات في وقت واحد
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الحرب وحدها، بل في تزامنها مع عوامل أخرى تضغط على الاقتصاد العالمي. فالأسواق تواجه اليوم مزيجاً معقداً من المخاطر، يبدأ بالطاقة، ويمتد إلى التحولات التكنولوجية العميقة، وصولاً إلى التصدعات في أسواق التمويل.
هذا التداخل بين الأزمات يجعل أدوات السياسة الاقتصادية أقل فاعلية. ففي الأزمات السابقة كان بالإمكان احتواء كل صدمة بشكل منفصل، أما الآن فالتحديات متشابكة بحيث يصعب التعامل معها عبر سياسة واحدة أو تدخل واحد من البنوك المركزية.
النفط.. الشرارة الأخطر
تبقى صدمة الطاقة التهديد الأكثر إلحاحاً بين هذه المخاطر. فإغلاق مضيق هرمز فعلياً وتعطل جزء من الإمدادات دفع أسعار خام برنت إلى تجاوز 119 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع لاحقا، ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً، أي جزء كبير من تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلاً بإرباك الاقتصاد العالمي.
ارتفاع أسعار الطاقة لا يضغط فقط على المستهلكين، بل يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويقلص هوامش أرباح الشركات، خاصة في قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية والصناعة. وبذلك يتحول النفط المرتفع عملياً إلى ما يشبه "ضريبة غير مباشرة" على الاقتصاد العالمي، كما أن التأثير يبدو أشد في أوروبا وآسيا، حيث تعتمد هذه الاقتصادات بدرجة أكبر على واردات الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة.
شبح الركود التضخمي يعود
مع صعود أسعار النفط، عادت كلمة قديمة لتتصدر نقاشات المستثمرين: الركود التضخمي.
وهو السيناريو الذي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في آن واحد، فالتضخم الذي كان قد بدأ في التراجع عاد ليظهر مؤشرات على الصعود، بينما تشير بيانات سوق العمل الأميركية إلى علامات تباطؤ غير متوقعة.
هذا الوضع يضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة. فبدلاً من الاستمرار في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، بدأت الأسواق تتساءل عما إذا كانت بعض البنوك قد تضطر إلى رفع الفائدة مجدداً لمواجهة التضخم، وقد شهدت الأسواق بالفعل تقلبات حادة في توقعات السياسة النقدية، إذ تحولت رهانات المستثمرين في بريطانيا ومنطقة اليورو خلال ساعات من توقع خفض الفائدة إلى احتمال رفعها.
الذكاء الاصطناعي.. ثورة تربك المستثمرين
بعيداً عن الحرب والطاقة، تتشكل صدمة أخرى أكثر تعقيداً ألا وهى ثورة الذكاء الاصطناعي، فالمخاوف لم تعد تدور حول فشل هذه التكنولوجيا، بل حول نجاحها السريع. نجاح قد يعيد تشكيل نماذج الأعمال في قطاعات كاملة مثل البرمجيات والخدمات المهنية والإعلام والتمويل.
هذا التحول دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الشركات، ما تسبب في تراجعات ملحوظة لأسهم بعض القطاعات التي قد تواجه منافسة شرسة من التقنيات الجديدة، لكن المفارقة أن الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها ليست بمنأى عن الخطر. فإنتاج أشباه الموصلات المتطورة يعتمد على مصانع كثيفة استهلاك الطاقة تقع في آسيا، ما يجعلها عرضة لتقلبات الطاقة وسلاسل الإمداد.
التصدع الصامت في سوق الائتمان
في الخلفية، تظهر علامات توتر متزايدة في سوق الائتمان الخاص، وهو قطاع يقترب حجمه من تريليوني دولار ويعمل كمصدر تمويل بديل للشركات خارج النظام المصرفي التقليدي، وقد ارتفعت حالات التعثر في هذا القطاع إلى نحو 5.8% خلال العام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ بدء تتبع هذه البيانات.
ويزيد القلق بسبب انكشاف هذا السوق على شركات التكنولوجيا والبرمجيات، ما يعني أن أي اضطراب ناتج عن الذكاء الاصطناعي قد يتحول بسرعة إلى أزمة ائتمان أوسع، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم قد يزيد من الضغوط على الشركات المثقلة بالديون، ما يصعّب عليها إعادة التمويل في بيئة مالية أكثر تشدداً.
سيولة نقدية بدل الملاذات التقليدية
وسط هذا المشهد المعقد، بدأ بعض المستثمرين يفضلون الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلاً من الاعتماد على الملاذات التقليدية مثل السندات الحكومية، ففي بيئة تتداخل فيها صدمات الطاقة والتضخم والائتمان، لم يعد واضحاً أن الأصول التي كانت تُعد آمنة في الماضي ستبقى كذلك.
هذا الحذر المتزايد يعكس إدراكاً متنامياً بأن الأسواق قد تدخل مرحلة طويلة من التقلبات، خصوصاً بعد سنوات من الارتفاعات القوية التي رفعت تقييمات الأسهم إلى مستويات مرتفعة.
عندما تتجمع الصدمات
يعتقد كثير من المستثمرين أن المخاطر الحالية أقل خطورة من الأزمات الكبرى السابقة مثل أزمة النفط في السبعينيات أو فقاعة التكنولوجيا في عام 2000 أو الأزمة المالية في 2008.
لكن الخطورة، بحسب عدد من الاستراتيجيين، تكمن في أن الصدمات الحالية قد تكون أصغر حجماً منفردة، لكنها تتجمع في وقت واحد داخل سوق وصلت تقييماتها إلى مستويات مرتفعة، وفي مثل هذه الظروف، قد تكفي صدمة محدودة لإطلاق موجة اضطرابات واسعة في الأسواق، فالأسواق لا تخشى أزمة واحدة فقط، بل تخشى اللحظة التي تتلاقى فيها الأزمات معاً.
