الذهب يرتفع ويقترب من تخطي 4,500 دولار.. فهل يواصل صعوده حتى 5,000 دولار؟
في لحظة يتشابك فيها السياسي بالطاقة، تقف الأسواق العالمية أمام واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ عقود. فقد قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، مسجّلة ارتفاعًا بنسبة 73% منذ بداية العام، مدفوعة بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف من اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية.
لم يكن هذا الارتفاع مجرد انعكاس لتحسن الطلب، الذي لم يتجاوز 2.4% على أساس سنوي، ولا نتيجة نقص تقليدي في المعروض، الذي يبلغ حاليًا 3.2 مليون برميل يوميًا أقل من ذروة 2019، بل جاء نتيجة مباشرة لعامل أكثر خطورة يتمثل في الجغرافيا السياسية. ومع تجاوز سعر خام برنت حاجز 122 دولارًا للبرميل، بارتفاع قدره 47 دولارًا خلال 8 أسابيع فقط، بدأت الأسواق تتعامل مع سيناريوهات كانت حتى وقت قريب بعيدة الاحتمال.
مضيق هرمز عنق الزجاجة الذي يخنق السوق
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا تمر عبره 20.5 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل 21% من الإمدادات العالمية من النفط و25% من الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي فإن إغلاق هذا المضيق، حتى بشكل جزئي بنسبة 30%، لا يعني فقط تعطّل الإمدادات، بل يشكل صدمة فورية للأسعار.
وقد أدى التهديد الفعلي بتعطيل الملاحة إلى قفزة حادة في الأسعار، إذ تضاعف سعر النفط تقريبًا منذ أواخر فبراير، من 63 دولارًا إلى 122 دولارًا، في مؤشر واضح على مدى هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية. كما تجدر الإشارة إلى أن 17% من ناقلات النفط غيرت مسارها خلال الأسبوعين الماضيين، مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن بنسبة 240%، من 25 ألف دولار إلى 85 ألف دولار يوميًا للناقلة العملاقة.
التصعيد الأمريكي الإيراني وخطر الحرب المفتوحة
تزايدت حدة التوتر مع تقارير تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس 4 خيارات عسكرية لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي. وبينما تبدو فرص الحل الدبلوماسي ضعيفة في المدى القريب، إذ لا تتجاوز 15% وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، تتجه الأنظار إلى احتمالية تصعيد عسكري قد يطيل أمد الأزمة إلى فترة تتراوح بين 6 و18 شهرًا.
هذا التصعيد لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ، خاصة إذا استمر تعطّل الإمدادات لفترة طويلة، إذ قد يفقد السوق في السيناريو الأسوأ ما بين 4 و6 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 5% من الاستهلاك العالمي.
دور محدود لتحالف أوبك بلس في احتواء الأزمة
في محاولة لتهدئة الأسواق، يسعى تحالف أوبك بلس إلى زيادة الإنتاج بشكل طفيف بمقدار 400 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من الشهر المقبل، إلا أن هذه الجهود تبدو محدودة التأثير في ظل عجز العديد من الدول عن رفع إنتاجها، حيث لا تتجاوز القدرة الاحتياطية الفعلية 2.1 مليون برميل يوميًا، يتركز أغلبها في السعودية والإمارات، مع استمرار تعطل الإمدادات من الخليج.
كما أن الأنباء حول نية بعض الأعضاء، مثل الإمارات، إعادة النظر في عضويتهم داخل أوبك، تُعد عاملًا قد يؤثر على توازن السوق مستقبلاً، لكنه لا يحمل تأثيرًا فوريًا في ظل الظروف الحالية، خاصة أن تحالف أوبك بلس يسيطر حاليًا على نحو 58% من سوق النفط مقارنة بـ72% قبل 5 سنوات.
تدمير الطلب كآلية توازن قاسية
في ظل هذه الأسعار المرتفعة، بدأ يظهر ما يُعرف بتدمير الطلب، حيث يلجأ المستهلكون والشركات إلى تقليص استهلاكهم من الطاقة، وتشير التقديرات إلى فقدان نحو 1.6 مليون برميل يوميًا من الطلب العالمي، أي ما يعادل 1.6% من إجمالي الاستهلاك البالغ حوالي 101 مليون برميل يوميًا.
ورغم أهمية هذا التراجع، فإنه لا يكفي لتعويض فجوة العرض الحالية المقدرة بنحو 2.3 مليون برميل يوميًا، ما يبقي الأسعار تحت ضغط صعودي مستمر، خاصة أن مرونة الطلب على النفط في المدى القصير تبلغ حوالي سالب 0.05، ما يعني أن ارتفاع السعر بنسبة 10% يؤدي فقط إلى خفض الطلب بنسبة 0.5%.
تداعيات عالمية تتجاوز سوق الطاقة
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على أسواق الطاقة، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، حيث تسهم كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل في رفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية خلال العام التالي، ما يعني إضافة نحو 1.2 نقطة إلى معدلات التضخم عند المستويات الحالية.
كما تشير نماذج صندوق النقد الدولي إلى أن وصول سعر النفط إلى 120 دولارًا للبرميل قد يؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي العالمي بنسبة 0.6% خلال عام، فضلًا عن الضغوط السياسية، حيث يرتبط كل ارتفاع بمقدار 10 سنتات في سعر غالون البنزين، الذي وصل إلى 4.80 دولار، بانخفاض نقطة واحدة في معدلات تأييد الرئيس في الولايات المتحدة.
الخلاصة سوق تحركه المخاطر لا الأساسيات
ما يشهده سوق النفط حاليًا يعكس هيمنة ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، والتي تُقدّر بنحو 25 إلى 30 دولارًا للبرميل مقارنة بمتوسط تاريخي يتراوح بين 5 و10 دولارات، حيث لم تعد الأسعار تعكس فقط معادلة العرض والطلب، بل أصبحت رهينة لتطورات سياسية متسارعة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الأسواق معلّقة بين سيناريو التهدئة، باحتمال 40%، والذي قد يعيد الأسعار إلى نطاق 75 إلى 85 دولارًا خلال فترة تتراوح بين 3 و6 أشهر، وسيناريو التصعيد، باحتمال 35%، الذي قد يدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 150 و180 دولارًا للبرميل، مع إمكانية بلوغ ذروة تقترب من 200 دولار في حال اندلاع حرب واسعة.
وبين هذين المسارين، يظل النفط مرآة تعكس ليس فقط حالة الاقتصاد العالمي، بل أيضًا مستوى التوترات الجيوسياسية، حيث تشير المؤشرات إلى أن العالم يقف على أعتاب أزمة طاقة قد تكون الأكبر منذ عام 1979.
