عاجل: صدور بيانات مخزونات النفط في الولايات المتحدة.. والأسعار تواصل هبوطها
لم تعد الحرب في الشرق الأوسط حدثًا جيوسياسيًا عابرًا، بل تحولت إلى قوة اقتصادية ضاغطة تمتد آثارها من المصانع إلى المستهلكين، ومن سلاسل الإمداد إلى قرارات الاستثمار. وبينما كانت الشركات العالمية تحاول التعافي من سنوات من التضخم المرتفع واضطرابات ما بعد الجائحة، جاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، وتدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة أكثر هشاشة وغموضًا.
صدمة الطاقة: شريان العالم في خطر
يقف مضيق هرمز في قلب هذه الأزمة، باعتباره أهم نقطة اختناق بحرية في العالم. تشير البيانات إلى أن هذا الممر الحيوي استوعب تدفق نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا في عام 2024، وهو ما يمثل حوالي 20% من الاستهلاك العالمي. ولا يتوقف الأمر عند النفط، بل يمتد للغاز الطبيعي المسال، حيث يعبر المضيق خُمس التجارة العالمية لهذا المورد الحيوي، بما في ذلك 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات. إن أي اضطراب في هذا الشريان لا يرفع أسعار الطاقة فحسب، بل يضرب صميم التجارة غير النفطية التي تشكل 2.4% من الإجمالي العالمي، مما يؤدي إلى ارتفاع فوري في تكاليف النقل والتأمين والإنتاج عبر مختلف القارات.
سلاسل الإمداد: من الغذاء إلى التكنولوجيا
أظهرت الأزمة أن هشاشة سلاسل الإمداد تتجاوز قطاع الطاقة لتصل إلى السلع الاستهلاكية والتقنية:
• دانون: واجه العملاق الغذائي تباطؤًا ملحوظًا في نمو مبيعاته بسبب تعقيدات الشحن عبر الشرق الأوسط، مما أثر بشكل خاص على شحنات حليب الأطفال والمنتجات الصحية، رغم تحقيق الشركة نموًا إجماليًا بنسبة 4.3% في عام 2024.
• آبل: اضطرت شركة آبل إلى إعادة رسم خارطة توريد هواتف الآيفون المصنعة في الهند، حيث بدأت في تحويل مسارات الشحن بعيدًا عن المراكز اللوجستية التقليدية في الشرق الأوسط (مثل الإمارات) لتجنب مخاطر الصراع المتصاعد بين إيران والولايات المت وإسرائيل.
• Tesla & Volvo: في قطاع السيارات، أدت هجمات البحر الأحمر المرتبطة بالتوترات الإقليمية إلى توقف مؤقت للإنتاج في مصانع تسلا في برلين وفولفو في بلجيكا، نتيجة نقص المكونات الحيوية القادمة من آسيا، مما كشف عن اعتماد الصناعة الأوروبية المفرط على مسارات شحن مهددة.
صراع العمالقة: الشحن البحري والقوة التسعيرية
في قطاع الشحن، أطلقت شركة Hapag-Lloyd تحذيرات من تراجع حاد في أرباح عام 2026، حيث أدت التوترات إلى تعليق الرحلات عبر مضيق هرمز وقناة السويس، مما أجبر السفن على اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة. ومع ذلك، يبرز تباين في قدرة الشركات على امتصاص هذه التكاليف:
• AkzoNobel: نجحت شركة الدهانات في استعراض “قوتها التسعيرية” برفع الأسعار بنسبة 1%، مما مكنها من تحقيق أرباح قبل الفوائد والضرائب (EBITDA) بلغت 1.48 مليار يورو.
• Reckitt: في المقابل، تعثرت شركة ريكيت (المنتجة لديتول) حيث سجلت نموًا بنسبة 1.3% فقط، وهو أقل بكثير من التوقعات البالغة 2.9%، بسبب عجزها عن تمرير التكاليف للمستهلكين الحساسين للأسعار.
قطاع الخدمات: السفر والسياحة تحت الحصار
التحول الأخطر يتمثل في تآكل الطلب الفعلي على الخدمات غير الأساسية:
• بعد 34 عاما من التحليق في سوق الطيران منخفض التكلفة داخل الولايات المتحدة، أعلنت شركة "سبيريت إيرلاينز" وقف نشاطها بالكامل وإلغاء جميع رحلاتها، في خطوة صادمة تعكس حجم الانهيار الذي يضرب قطاع الطيران الأمريكي في ظل اضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تصاعدت حدتها عقب اندلاع الحرب على إيران.
· United Airlines: خفضت الشركة توقعات أرباحها السنوية نتيجة القفزة المفاجئة في تكاليف وقود الطائرات المرتبطة بالصراع الإيراني.
• TUI Group: كشفت المجموعة السياحية أن الحرب كلفتها 40 مليون يورو بشكل مباشر، شملت تكاليف إجلاء 12,000 سائح وموظف، مما دفعها لمراجعة خططها المالية رغم البداية القوية للموسم.
ضبابية التوقعات ومستقبل العولمة
تعكس مواقف الشركات حجم اليقين المفقود؛ فشركة GE Aerospace، رغم نمو طلبياتها بنسبة 87%، فضلت عدم رفع توقعاتها المستقبلية، مشيرة إلى أن الصراع “يلقي بظلاله” على الأداء. هذا التراجع في الرؤية يمثل تحديًا هيكليًا يدفع نحو “إلغاء العولمة” (Deglobalization) وتعزيز الإنتاج المحلي لتأمين الاحتياجات الأساسية، وهو اتجاه يعني بالضرورة ارتفاع التكاليف على المدى الطويل.
الخلاصة: إن ما نشهده ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو إعادة تشكيل للقواعد الاقتصادية العالمية. فكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات تحول هذه الصدمات إلى واقع دائم يفرض على المستثمرين والشركات التكيف مع بيئة “الركود التضخمي” والبحث عن ملاذات آمنة في عالم أقل استقرارًا.
