عاجل: الدولار يضرب بقوة.. هبوط جماعي للذهب والنفط في ختام الجلسة الأمريكية
إن بدء الحروب أمر سهل، أما إنهاؤها فغالبًا ما يكون بالغ الصعوبة. وهذه الحقيقة البسيطة بدأت تتردد بقوة في الأسواق المالية مع استمرار تداعيات الصراع في الشرق الأوسط وتطورها. وقد تباينت الآثار الاقتصادية حتى الآن، لكن موجة التفاؤل الأخيرة التي افترضت أن الاقتصاد الأمريكي سيبقى بمنأى إلى حد كبير عن تداعيات النزاع بدأت تتلاشى. وبدلًا من ذلك، باتت الأسواق تطالب بعلاوات مخاطر أعلى كتعويض عن حالة عدم اليقين المتزايدة.
وجاء أحدث دليل على أن إنهاء الصراع سيكون أكثر تعقيدًا وسيستغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا يوم الأحد، عندما استأنفت إيران وإسرائيل المواجهات العسكرية، وتبادلتا الضربات الصاروخية للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل. وكان الرئيس ترامب قد أعلن أنه سيضغط على إسرائيل لعدم الرد، إلا أن تلك الجهود لم تنجح، إذ استمرت الأعمال القتالية المتجددة حتى يوم الاثنين. ووفقًا لما أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل":
"قال الجيش الإسرائيلي إنه مستعد لأيام قتالية إضافية ضد إيران تمتد لعدة أيام على الأقل، مع احتمال استئناف الحرب بشكل كامل."
وليس مفاجئاً أن أسعار النفط ارتفعت بشكل حاد، مسجلةً صعوداً بنسبة 4% في تعاملات الاثنين المبكرة. ولا تزال أسعار النفط الخام دون ذروتها منذ اندلاع الحرب في 28/02، غير أن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب تبدو مستبعدة في المدى القريب.
قد لا يكون تجدد الصراع بين إيران وإسرائيل أمرًا مفاجئًا، كما أنه من غير المرجح أن يُحدث تحولًا جذريًا في توقعات الأسواق مقارنة بما شهدته الفترة الأخيرة. لكن هذا الصراع متعدد الجبهات يكتسب زخمًا على أكثر من صعيد، ما يشير إلى أن الأزمة ستستمر بشكل أو بآخر حتى وإن لم تتفاقم بصورة أكبر. ونتيجة لذلك، فإن المخاطر الاقتصادية الكلية بدأت تتحول من مخاطر حادة ومؤقتة إلى مخاطر مزمنة وطويلة الأمد.
بحسب وجهات النظر المختلفة، طوّرت الأسواق إما قدراً من التقبّل أو الاسترخاء إزاء الصراع وتداعياته الاقتصادية الكلية. وقد أشار كريستوفر سمارت، المستشار التجاري السابق ومسؤول وزارة الخزانة في إدارة أوباما، الأسبوع الماضي إلى:
"مع مرور كل يوم، يتعلم العالم العيش بدون صادرات الخليج البحرية."
صحيح، لكن هذا القدر من التحمّل كان دائمًا هشًا، لأنه استند إلى افتراض أن الأوضاع في الشرق الأوسط ستعود إلى طبيعتها قريبًا. ومع استمرار الأزمة لفترة أطول، تتراجع قوة هذا الافتراض، وتبدأ تداعيات الصراع بالتسرب بشكل متزايد إلى الاقتصاد الأمريكي.
ويُعد تقرير الوظائف القوي الصادر يوم الجمعة مثالًا واضحًا على ذلك. ففي الظروف العادية، كان من المفترض أن يُقابل استمرار نمو التوظيف للشهر الثالث على التوالي بترحيب واسع في وول ستريت. لكن في المناخ الحالي، أصبحت الأخبار الاقتصادية الجيدة بمثابة أخبار سيئة لسوق السندات؛ إذ يشير استمرار قوة سوق العمل إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يواجه ضغوطًا متزايدة لرفع أسعار الفائدة من أجل مواجهة صدمة الطاقة على جانب العرض، والتي تدفع التضخم الرئيسي إلى الارتفاع.
ولا تزال العقود الآجلة لأسعار الفائدة الفيدرالية تسعّر عدم إجراء أي تغيير في السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة، بما في ذلك اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) في 17 يونيو، والذي سيشهد أول ظهور علني لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وورش في المؤتمر الصحفي الذي يلي الاجتماع. ومع ذلك، تبدو سوق سندات الخزانة أكثر قلقًا؛ إذ يواصل عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية للسياسة النقدية، الارتفاع إلى مستويات تفوق بوضوح متوسط سعر الفائدة الفيدرالية، ما يعكس توقعات المستثمرين في سوق السندات بأن السياسة النقدية قد تصبح أكثر تشددًا خلال الفترة المقبلة.

أصبح إنهاء هذا الصراع أكثر صعوبة مع امتداد أعمال العنف إلى جبهات متعددة، وتباعد أهداف القوى الكبرى، وتراجع الظروف السياسية اللازمة لخفض التصعيد بدلًا من تحسنها.
ومن العوامل الرئيسية التي سيكون من الصعب الحد من تأثيرها أن إيران اكتشفت أن سيطرتها على أهم ممر للطاقة في العالم تمنحها نفوذًا استراتيجيًا لا تستطيع حتى الضغوط العسكرية التي تمارسها القوى الكبرى تحييده بالكامل. وقد عزز ذلك من ثقة طهران وأعاد تشكيل معادلات الردع في المنطقة.
ولم تستوعب الأسواق حتى الآن هذا الخطر بشكل كامل، إذ لا تزال تفترض أن العودة إلى الوضع الطبيعي باتت وشيكة. إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك؛ وهي حقيقة لم تنعكس بعد بصورة كاملة في أسعار الأصول المالية أو في توجهات السياسة النقدية.
