رغم الانهيار الأخير.. الذهب قد يكون على أعتاب واحدة من أعنف موجات الصعود
سجلت واردات الصين من النفط الخام خلال مايو 2026 هبوطًا حادًا بنسبة 29% لتصل إلى 7.79 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ عام 2018، مقارنة بمتوسط واردات تجاوز 11 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب الإيرانية. ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد، وسط مخاوف من تأثير التوترات الجيوسياسية على تدفقات النفط العالمية.
وتشير الأرقام إلى أن بكين لجأت بصورة متزايدة إلى مخزوناتها النفطية لتعويض النقص في الإمدادات الخارجية. وتمتلك الصين احتياطيًا نفطيًا ضخمًا يقدر بنحو 1.4 مليار برميل، موزعًا بين الاحتياطي الاستراتيجي والمخزون التجاري الذي تستخدمه المصافي المحلية للحفاظ على مستويات التشغيل عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الواردات.
وتُقدّر بعض الجهات المتخصصة أن الصين ضخت ما يقارب مليون برميل يوميًا من مخزوناتها التجارية خلال الأشهر الأخيرة لتعويض جزء من التراجع في الإمدادات القادمة من روسيا وإيران، بعدما انخفضت الواردات من البلدين خلال مايو إلى نحو مليوني برميل يوميًا من روسيا و1.37 مليون برميل يوميًا من إيران.
ويمثل السحب من المخزونات عاملًا مهمًا في تهدئة أسواق النفط العالمية، إذ يخفف جزءًا من الضغوط التي كان من الممكن أن تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. فعندما تعتمد أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم على مخزوناتها الداخلية بدلاً من زيادة مشترياتها من السوق الفورية، ينخفض الطلب العالمي الفعلي على الخام، ما يحد من ارتفاع الأسعار ويمنح السوق فترة من الاستقرار النسبي.
لكن هذا التأثير قد يكون مؤقتًا. فالمخزونات ليست مصدرًا دائمًا للطاقة، وعندما تبدأ الصين في إعادة بناء احتياطياتها التجارية والاستراتيجية مستقبلاً، قد يعود الطلب الصيني بقوة إلى الأسواق العالمية، وهو ما قد يشكل عامل دعم رئيسيًا لأسعار النفط، خاصة إذا تزامن ذلك مع استمرار القيود على الإمدادات العالمية.
وعلى المدى الطويل، تواصل الصين العمل على تعزيز أمنها الطاقي عبر توسيع شبكة خطوط الأنابيب القادمة من روسيا. وعند اكتمال مشاريع البنية التحتية الجديدة، ستصبح بكين أقل عرضة لمخاطر اضطرابات الشحن البحري أو إغلاق الممرات الاستراتيجية، ما يمنحها مرونة أكبر في إدارة وارداتها النفطية.
وقد أثبت الموقع الجغرافي لروسيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أهميته الاستراتيجية بالنسبة للصين. ففي الوقت الذي واجهت فيه أوروبا تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، استفادت الصين من الخصومات الكبيرة على النفط الروسي ومن سهولة الإمداد عبر خطوط الأنابيب والطرق البرية، الأمر الذي عزز شراكتها الطاقية مع موسكو.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن أسعار النفط ستظل مرتبطة بعاملين رئيسيين: حجم السحب الصيني من المخزونات الحالية، وسرعة عودة الصين إلى استيراد كميات أكبر لإعادة بناء احتياطياتها. وإذا استمرت بكين في الاعتماد على مخزوناتها خلال النصف الثاني من 2026 فقد تبقى الأسعار تحت ضغط نسبي، أما إذا بدأت مرحلة إعادة التخزين بالتزامن مع أي اضطرابات جديدة في الإمدادات العالمية، فقد تعود الأسعار إلى موجة صعود قوية تتجاوز التوقعات الحالية للأسواق.
