رغم الانهيار الأخير.. الذهب قد يكون على أعتاب واحدة من أعنف موجات الصعود
مؤشر أسعار المنتجين في الصين عند 3.9% وهو أعلى مستوى منذ 2022
في لحظة تتشابك فيها العوامل الجيوسياسية مع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي ، تبدو الصين وكأنها تقف عند مفترق طرق اقتصادي دقيق جدا ، حيث تتقاطع ضغوط التضخم المستورد مع تحديات الطلب المحلي ، بينما تفرض أسواق الطاقة العالمية إيقاعها على تكاليف الإنتاج ، وتراقب الأسواق المالية عن كثب تحركات السياسة النقدية في الولايات المتحدة بقيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
والتحول الأبرز في المشهد الاقتصادي الصيني يتمثل بالبيانات الأخيرة لمؤشر أسعار المنتجين في الصين ، ولا تعكس مجرد ارتفاع دوري في التكاليف ، بل تمثل تحولا هيكليا مهما بعد فترة طويلة من الانكماش السعري ، حيث عاد المؤشر إلى المنطقة الإيجابية منذ شهر مارس الماضي ، واستمر في الصعود حتى سجل أعلى مستوياته والتي لم يسجلها منذ منتصف عام 2022 ، هذا التحول لم يكن مدفوعا بعوامل داخلية بحتة ، بل جاء في المقام الأول نتيجة صدمة خارجية مرتبطة بأسواق الطاقة ، في ظل التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز ، والتي أعادت تسعير النفط والغاز عالميا ، ورفعت تكلفة المدخلات الصناعية بشكل مباشر.
في حين يمكن القول إن الاقتصاد الصيني بدأ يدخل مرحلة "تضخم التكاليف" أكثر من كونه تضخما ناتجا عن قوة الطلب ، وهي نقطة محورية لفهم طبيعة المرحلة الحالية ، فالشركات الصناعية خاصة تلك المعتمدة على الطاقة والمواد الخام ، تواجه ضغوطا مزدوجة من ارتفاع تكاليف الإنتاج من جهة ، وضعف القدرة على تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي من جهة أخرى ، خصوصا في القطاعات التي تعاني من منافسة حادة أو تباطؤ في الطلب مثل صناعة السيارات.
على النقيض تبرز قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي ، كمحركات مقاومة لهذه الضغوط ، حيث تتمتع بمرونة تسعيرية أعلى نتيجة الطلب القوي عالميا على قدرات الحوسبة والبنية التحتية الرقمية ، هذا التباين القطاعي يعكس تحولا أعمق في هيكل الاقتصاد الصيني ، الذي لم يعد يعتمد فقط على التصنيع التقليدي ، بل يتجه تدريجيا نحو الصناعات عالية القيمة والتكنولوجيا المتقدمة ، وهو ما يمنح بعض الشركات قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية.
أما على مستوى التضخم الاستهلاكي فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا فرغم بقاء مؤشر أسعار المستهلكين في مستويات مرتفعة نسبيا ، إلا أن مكوناته تكشف عن تباين واضح بين ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات من جهة ، وانخفاض أسعار الغذاء من جهة أخرى ، هذا التوازن الهش يعكس ضعف الطلب المحلي ، حيث لا يزال المستهلك الصيني حذرا في الإنفاق ، متأثرا بعوامل مثل تباطؤ سوق العقارات وارتفاع البطالة بين الشباب.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية بأن الاقتصاد الصيني يواجه ضغوطا تضخمية من جانب التكاليف ، لكنه في الوقت نفسه يعاني من ضعف في الطلب الداخلي ، مما يحد من انتقال هذه الضغوط إلى تضخم واسع النطاق في الأسعار ، هذه الحالة التي يمكن وصفها بـالتضخم المقيد ، تضع صناع السياسات أمام معادلة صعبة ، حيث يصبح التحفيز النقدي أو المالي محدود الفعالية إذا لم يترافق مع تحسن حقيقي في ثقة المستهلكين.
أما في أسواق العملات يعكس استقرار اليوان الصيني أمام الدولار حالة من التوازن الحذر ، حيث تترقب الأسواق بيانات التضخم الأميركية باعتبارها مؤشرا رئيسيا لمسار السياسة النقدية العالمية ، فارتفاع التضخم في الولايات المتحدة قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة ، وهو ما يعزز قوة الدولار ويضغط على العملات الأخرى بما في ذلك اليوان الصيني.
غير أن ما يلفت الانتباه هو قدرة العملة الصينية على الصمود والاستقرار رغم هذه الضغوط ، وهو ما يعكس دور بنك الشعب الصيني في إدارة سعر الصرف عبر آلية السعر المرجعي ، في محاولة لتحقيق توازن بين دعم الصادرات ومنع تقلبات مفرطة في سوق النقد الأجنبي ، هذه السياسة تعكس نهجا براغماتيا يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي في بيئة عالمية شديدة التقلب.
والسياسة النقدية في الصين تواجه بدورها تحديا معقدا ، ففي ظل تضخم مدفوع بالتكاليف وضعف في الطلب ، يصبح خفض أسعار الفائدة أو ضخ السيولة أقل فعالية ، بل قد يؤدي إلى تفاقم الاختلالات المالية دون تحقيق نمو حقيقي ، لذلك يبدو أن بكين تتجه نحو مزيج من السياسات ، يجمع بين دعم القطاعات الاستراتيجية ، وتحفيز الطلب بشكل انتقائي ، مع الحفاظ على استقرار النظام المالي.
ومن زاوية أوسع لا يمكن فصل التطورات الاقتصادية في الصين عن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط ، الذي أصبح عاملا حاسما في تحديد اتجاهات التضخم العالمي ، فاستمرار التوترات في المنطقة يعني بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة ، وهو ما يترجم مباشرة إلى ضغوط تضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة وفي مقدمتها الصين ، أما في حال انحسار هذه التوترات فقد نشهد تراجعا تدريجيا في الضغوط السعرية ، مما يمنح الاقتصاد الصيني مساحة أكبر لاستعادة التوازن.

