رغم الانهيار الأخير.. الذهب قد يكون على أعتاب واحدة من أعنف موجات الصعود
شهدت أسعار الذهب انتعاشًا لافتًا خلال تعاملات يوم الخميس، مسجلة ارتفاعًا يقترب من 5%، في حركة تعكس تحولًا واضحًا في شهية المستثمرين بعد فترة من الضغوط التي دفعت المعدن النفيس إلى أدنى مستوياته منذ بداية عام 2026. ويبدو أن هذا الارتفاع لم يكن مجرد ارتداد فني، بل يعكس تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي أعادت الذهب إلى دائرة الاهتمام بوصفه أحد أهم الملاذات الآمنة في الأسواق العالمية.
فمن الناحية الفنية، جاء هذا التعافي مدفوعًا بنشاط ملحوظ لعمليات الشراء عند المستويات المنخفضة، خاصة مع اقتراب الأسعار من مناطق تاريخية حساسة قرب مستوى 4,000 دولار للأونصة، وهو ما شجع المستثمرين على إعادة بناء مراكزهم، مستفيدين من جاذبية الأسعار بعد موجة الهبوط السابقة.
أما على صعيد العوامل الكلية، فقد لعب تراجع الدولار الأمريكي دورًا محوريًا في دعم أسعار الذهب، إذ إن العلاقة العكسية بين الطرفين تعزز جاذبية المعدن النفيس عندما يفقد الدولار جزءًا من قوته. وبالتوازي، ساهم انخفاض أسعار النفط في تخفيف الضغوط التضخمية، مما عزز التوقعات بإمكانية تباطؤ وتيرة التشديد النقدي، وهو عامل إضافي يصب في صالح الذهب.
وفي السياق الجيوسياسي، جاء انحسار التوترات في الشرق الأوسط وتراجع الخروقات العسكرية عاملًا داعمًا للاستقرار النسبي، بالتزامن مع تجدد الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي الصراع في المنطقة. ورغم أن تراجع المخاطر الجيوسياسية يقلل تقليديًا من الطلب على الذهب كملاذ آمن، فإن المرحلة الحالية تعكس سلوكًا أكثر تعقيدًا، حيث يوازن المستثمرون بين الاستقرار النسبي وعدم اليقين طويل الأمد.
ومع ذلك، لا تزال التوقعات المتعلقة بالسياسة النقدية الأمريكية تمثل العامل الأكثر حساسية في توجيه أسعار الذهب، إذ تشير الأسواق إلى تسعير مرتفع لاحتمالات قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع ديسمبر المقبل، وهو ما قد يشكل ضغطًا مستقبليًا على المعدن النفيس إذا تحقق.
وفي هذا الإطار، تتجه أنظار المستثمرين نحو البيانات الاقتصادية المرتقبة في الولايات المتحدة، وعلى رأسها بيانات أسعار المنتجين، التي تُعد مؤشرًا متقدمًا لاتجاهات التضخم. وقد جاءت هذه البيانات أضعف من المتوقع، ما قد يدعم التوقعات بتخفيف وتيرة التشديد النقدي خلال المرحلة المقبلة، ويحد من الضغوط الواقعة على الذهب.
واتجهت أسعار الذهب إلى الارتفاع خلال التداولات الفورية، مقتربة من مكاسب بلغت 5%، بعد أن لامست أدنى مستوى لها أثناء الجلسة عند 4,023.84 دولارًا للأونصة، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 2025.

ويتحرك الذهب حاليًا في بيئة معقدة تتداخل فيها العوامل النقدية مع الجيوسياسية، مما يجعل مساره المستقبلي مرهونًا بتوازن دقيق بين قوة الدولار وتوقعات الفائدة ومستوى المخاطر العالمية. وبينما يظل الاتجاه قصير الأجل مدعومًا بعمليات الشراء من القيعان، فإن استدامة هذا الصعود ستعتمد بدرجة كبيرة على ما ستكشف عنه البيانات الأمريكية المقبلة، ومدى مرونة الاقتصاد في مواجهة تشديد الأوضاع المالية. وبين التفاؤل الحذر والمخاطر الكامنة، يبقى الذهب مرآة حساسة تعكس نبض الاقتصاد العالمي ومؤشرًا دقيقًا على تحولات الثقة في الأسواق.
