أسعار النفط تستمر بالتراجع ومخزونات النفط الأميركية تهبط لأدنى مستوى منذ 40 عاما

تم النشر 18/06/2026, 15:53

 

تحركت سعار النفط اليوم الخميس إلى الإنخفاض وللجلسة السادسة على التوالي، وهذا ما يعكس اللحظة المفصلية إلى هشاشة التوازن في أسواق الطاقة العالمية، وجاءت التراجعات الحادة في أسعار النفط عقب الاتفاق المؤقت لوقف الحرب في الشرق الأوسط لتكشف بوضوح كيف يمكن لعامل جيوسياسي واحد أن يعيد رسم خريطة التسعير في غضون ساعات، بل ويعيد صياغة توقعات السوق على المدى المتوسط والبعيد في سوق النفط، والتي كانت قبل أيام فقط تتداول على وقع المخاطر الجيوسياسية واحتمالات تعطل الإمدادات، وجدت نفسها فجأة أمام سيناريو معاكس تماما يقوم على وفرة محتملة في المعروض، وهو ما دفع الأسعار إلى إستمرار الهبوط لجلسات متتالية، في حركة تعكس إعادة تسعير فورية وشاملة للمخاطر. 

إن توقيع الاتفاق بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والطرف الأخر، والتي تتضمن وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز، لا يمثل مجرد هدنة سياسية مؤقتة بل يشكل تحولا استراتيجيا في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب خمس الإمدادات النفطية العالمية في الظروف الطبيعية، هذا الممر الذي كان خلال الأشهر الماضية بؤرة توتر وتهديد مباشر للإمدادات عاد فجأة ليكون رمزا لانفراج محتمل، وهو ما انعكس فورا على سلوك المستثمرين الذين انتقلوا من تسعير ندرة العرض إلى تسعير وفرة محتملة.

وفي هذا السياق فإن الهبوط في أسعارخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط لا يمكن فهمه فقط كاستجابة خبرية آنية، بل يجب قراءته ضمن إطار أوسع يتعلق بآليات تسعير المخاطر في الأسواق المالية، فعندما ترتفع احتمالات انقطاع الإمدادات، تضيف الأسواق ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي علاوة قد تصل في بعض الأحيان إلى عدة دولارات للبرميل، ومع تراجع هذه المخاطر فجأة، يتم سحب هذه العلاوة بنفس السرعة، وهو ما يفسر حدة الهبوط التي شهدناها، لكن الأهم من ذلك هو أن الأسواق لا تتعامل مع الحاضر فقط، بل مع المستقبل المتوقع وهنا تحديدا تكمن نقطة التحول الرئيسية، فالاتفاق الحالي رغم كونه مؤقتا ومحدودا زمنيا بفترة تفاوض تمتد إلى ستين يوما، يفتح الباب أمام عودة تدريجية وربما سريعة للإمدادات الإيرانية إلى السوق العالمية، وهو ما يمثل إضافة محتملة بمئات الآلاف وربما ملايين البراميل يوميا على المدى المتوسط، خاصة إذا تم تخفيف القيود على الشحن والتأمين والتحويلات المالية المرتبطة بصادرات النفط الإيراني.

غير أن هذه الرؤية المتفائلة بزيادة المعروض لا تخلو من تعقيدات واقعية فإعادة تشغيل الحقول النفطية وإعادة بناء سلاسل التوريد واستعادة ثقة شركات الشحن والتأمين، كلها عوامل تحتاج إلى وقت وقد لا تتم بالسرعة التي يتوقعها السوق حاليا، وهنا يظهر التباين بين التسعير الفوري والواقع التشغيلي، حيث تميل الأسواق إلى المبالغة في رد الفعل على الأخبار، بينما يكون التنفيذ الفعلي أكثر بطئا وتعقيدا. هذا التباين يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة لحركة الأسعار في الفترة المقبلة، فمن جهة قد يستمر الضغط النزولي إذا ما تأكدت عودة الإمدادات بشكل سريع وفعال، خاصة مع دخول أطراف أخرى في المنطقة مثل العراق ودول الخليج في سباق لزيادة الإنتاج وتعويض فترة الاضطراب السابقة، ومن جهة أخرى قد نشهد نوعا من الاستقرار النسبي أو حتى الارتداد الصعودي إذا ما واجهت عملية إعادة الإمدادات عراقيل لوجستية أو سياسية.

وفي هذا الإطار لا يمكن تجاهل التحذيرات السابقة والتي أشارت إلى احتمال تحول السوق النفطية إلى فائض كبير بحلول عام 2027، مع توقعات بتجاوز العرض للطلب بنحو 5 ملايين برميل يوميا، هذا الرقم إذا تحقق سيشكل ضغطا هيكليا طويل الأمد على الأسعار، وقد يعيدنا إلى سيناريوهات شهدناها في فترات سابقة عندما أدى فائض المعروض إلى انهيارات سعرية حادة، لكن المفارقة هنا تكمن في أن هذا الفائض المحتمل يتزامن مع بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالهشاشة، خاصة في ظل السياسات النقدية المتشددة التي تتبناها البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها البنك المركزي الأمريكي والذي قام يوم أمس بتثبيت أسعار الفائدة وهي التي مازالت عند مستويات مترفعة، فمع تزايد احتمالات رفع أسعار الفائدة تتراجع وتيرة النمو الاقتصادي، وهو ما ينعكس سلبا على الطلب على الطاقة، وبالتالي فإن السوق قد تواجه ضغوطا مزدوجة زيادة في العرض من جهة، وضعف في الطلب من جهة أخرى.

فإن قراءة هذا التطور لا تكتمل دون التطرق إلى البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، فخفض أسعار النفط وبالتالي أسعار الوقود يمثل هدفا استراتيجيا لأي إدارة أميركية، خاصة في الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، ومن هنا يمكن فهم جزء من الدوافع وراء السعي إلى التوصل لاتفاق سريع مع إيران، حتى وإن كان مؤقتا، لما لذلك من تأثير مباشر على أسعار البنزين وثقة المستهلك.

وفي المقابل فإن الطرف الآخر ينظر إلى هذا الاتفاق من زاوية مختلفة تماما حيث يسعى إلى استعادة حصته في السوق العالمية وتعويض الخسائر التي تكبدتها نتيجة العقوبات، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد اتفاق سياسي، بل يحتاج إلى بيئة تشغيلية مستقرة وضمانات طويلة الأمد، وهو ما لا يزال غير واضح في ظل الطبيعة المؤقتة للاتفاق الحالي.

أما على مستوى سلوك السوق فإن ما نشهده حاليا هو نموذج كلاسيكي لما يعرف بـالتسعير الاستباقي، حيث يقوم المستثمرون بتعديل مراكزهم بناءا على توقعات مستقبلية وليس على بيانات فعلية، وهذا ما يفسر سرعة التحول من موجة شراء مدفوعة بالمخاطر إلى موجة بيع مدفوعة بتوقعات الوفرة، لكن هذا النوع من التسعير يكون غالبا عرضة للتقلبات وخاصة إذا ما تغيرت المعطيات أو ظهرت مفاجآت غير متوقعة.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه الحقيقي للأسعار، فإذا نجحت الأطراف في تثبيت الاتفاق وتحويله إلى إطار دائم، فقد نشهد مرحلة من الاستقرار النسبي عند مستويات أقل من تلك التي شهدناها خلال فترة التوتر، أما إذا تعثرت المفاوضات أو عادت التوترات فإن علاوة المخاطر قد تعود بسرعة، مما يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً.

وفي مفارقة لافتة تعكس عمق التشوه في توازن السوق، جاءت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية يوم أمس الأربعاء لتضيف بعدا أكثر تعقيدا للمشهد، إذ كشفت عن تراجع مخزونات النفط الأميركية للأسبوع العاشر على التوالي في أطول سلسلة هبوط مستمرة منذ سنوات، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1985، هذا التراجع الحاد الذي بلغ 17.2 مليون برميل خلال أسبوع واحد فقط، لا يمكن اعتباره مجرد حركة دورية، بل يمثل إشارة قوية إلى أن الطلب الفعلي لا يزال متماسكا رغم الضغوط الاقتصادية، وأن السوق على الأقل في المدى القصير لا تعاني من فائض حقيقي كما قد توحي به تحركات الأسعار الأخيرة، والأهم من ذلك أن وصول إجمالي المخزونات إلى نحو 758.5 مليون برميل يضع السوق أمام معادلة معقدة، فمن جهة هناك توقعات بعودة الإمدادات الإيرانية وارتفاع المعروض العالمي، ومن جهة أخرى هناك واقع فعلي يتمثل في تآكل المخزون الأميركي بوتيرة متسارعة، وهو ما يعكس شحا نسبيا في الإمدادات الفورية.

هذا التناقض بين وفرة متوقعة وشح حالي يفسر إلى حد كبير حالة التذبذب التي تسيطر على أسعار النفط، حيث تتحرك الأسواق بين عاملين متضادين أخبار جيوسياسية تضغط نحو الهبوط، وبيانات أساسية تدعم الأسعار من الأسفل. كما أن استمرار السحب من المخزونات في ظل التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط يشير إلى أن جزءا من الإمدادات العالمية لا يزال خارج الخدمة أو يتحرك بحذر، سواء بسبب المخاطر الأمنية أو اضطرابات الشحن، وهو ما يمنح الأسعار دعما غير مباشر رغم موجات البيع الأخيرة

يمكن القول إن ما حدث في أسواق النفط ليس مجرد تراجع سعري عابر، بل هو إعادة تشكيل لتوقعات السوق في ضوء تحول جيوسياسي كبير، وهذا التحول يذكرنا بحقيقة أساسية في أسواق الطاقة، وهي أنها لا تتحرك فقط وفقا لقوانين العرض والطلب التقليدية، بل تتأثر بشكل عميق بالتوازنات السياسية والاستراتيجية، وبالتالي فإن فهم حركة النفط يتطلب دائما قراءة مزدوجة تجمع بين الاقتصاد والسياسة، وبين الواقع والتوقعات. والأسواق ستعتمد إلى حد كبير على ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من تطورات، سواء على صعيد الاتفاق أو على صعيد الاقتصاد العالمي ككل، لكن ما هو مؤكد أن المرحلة الحالية ستظل واحدة من أكثر الفترات حساسية وتقلبا في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة.حركة النفط

 

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.