عاجل: أسعار النفط تتحول للتراجع بعد اتفاق مفاجئ بين إسرائيل وحزب الله
لم تكن حرب إيران، التي استمرت 111 يومًا، مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل مثلت أكبر اختبار لمنظومة أمن الطاقة العالمية منذ عقود، بعدما تعطل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. ورغم انتهاء الحرب وعودة الملاحة تدريجيًا، فإن الدروس التي خرجت بها دول الخليج ستعيد رسم استراتيجيات الطاقة لعقد كامل على الأقل.
الدرس الأول: أمن التصدير لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج. فقد أثبتت الأزمة أن امتلاك احتياطيات ضخمة لا يكفي إذا تعطلت طرق التصدير. لذلك، ستتجه دول الخليج إلى زيادة الاستثمارات في مرافق التخزين الخارجية وخطوط الأنابيب البديلة. وخلال الحرب، تمكن خط شرق - غرب السعودي من نقل نحو 5 ملايين برميل يوميًا، بينما وفر خط حبشان - الفجيرة الإماراتي ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا، إلا أن هذه الطاقات لم تكن كافية لتعويض الكميات التي كانت تعبر مضيق هرمز يوميًا.
الدرس الثاني: تحول فائض الإنتاج من عبء إلى صمام أمان. فقبل الحرب، كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع فائضًا في المعروض يتجاوز 4 ملايين برميل يوميًا خلال النصف الأول من عام 2026، وهو ما كان يُنظر إليه على أنه عامل ضغط على الأسعار. لكن هذا الفائض، إلى جانب المخزونات التجارية، حال دون وصول أسعار النفط إلى مستويات كارثية تتجاوز 150 أو حتى 200 دولار للبرميل، كما توقعت بعض السيناريوهات، رغم فقدان أكثر من 14 مليون برميل يوميًا من إنتاج الشرق الأوسط أثناء الأزمة.
أما الدرس الثالث، فهو أن المخزونات الاستراتيجية ليست غير محدودة. فقد اضطرت وكالة الطاقة الدولية إلى تنفيذ أكبر عملية سحب منسقة في تاريخها بإجمالي 400 مليون برميل، إضافة إلى مئات الملايين من البراميل من المخزونات التجارية والعائمة، لمنع حدوث صدمة سعرية عالمية. وبرغم ذلك، انخفضت احتياطيات بعض الدول إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، ما يؤكد ضرورة إعادة بناء المخزونات وتعزيزها بعد انتهاء الأزمة.
ويتمثل الدرس الرابع في ضرورة تنويع مسارات الطاقة. فقد كشفت الحرب أن معظم البدائل الحالية صُممت لنقل النفط الخام فقط، بينما بقيت صادرات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المكررة والبتروكيماويات أكثر عرضة للاختناق، ما يفرض على دول الخليج الاستثمار في ممرات لوجستية جديدة وربط الموانئ بشبكات الأنابيب.
أما الدرس الخامس، فهو عودة الثقة في الاستثمار بقطاع النفط والغاز. فقد أثبتت الأزمة أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يلغي الحاجة إلى الوقود الأحفوري، بل يجعل الاستثمار في القطاعين معًا ضرورة استراتيجية، خصوصًا مع الزيادة الكبيرة في الطلب على الكهرباء الناتجة عن توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ويبقى الدرس السادس أن التعافي بعد الأزمات يحتاج إلى وقت أطول مما تتوقعه الأسواق. فإعادة تشغيل الحقول، وإصلاح البنية التحتية، وإزالة الألغام، وإعادة تنظيم حركة الناقلات، قد تستغرق عدة أشهر، وربما تمتد حتى عام 2027 في بعض الدول، وهو ما يعني أن مرونة سلاسل الإمداد أصبحت عنصرًا أساسيًا في أمن الطاقة.
الخلاصة أن حرب إيران لم تغيّر فقط خريطة المخاطر، بل غيّرت أيضًا أولويات دول الخليج. فالمرحلة المقبلة لن تركز على زيادة الإنتاج فحسب، بل على بناء منظومة متكاملة تشمل تنويع طرق التصدير، وتوسيع مرافق التخزين العالمية، والاستثمار في البنية التحتية، وتحقيق توازن بين النفط والغاز والطاقة المتجددة. فمن ينجح في إدارة المخاطر، وليس فقط في إنتاج البراميل، سيكون الرابح الأكبر في سوق الطاقة العالمية خلال العقد المقبل.
