بيانات أمريكية مرتقبة اليوم.. هل تمنح الذهب طوق نجاة أم تدفعه لمزيد من الانهيار؟
الخام يقترب من مستويات ما قبل الحرب مع انحسار علاوة المخاطر
عاد الخام إلى مستويات ما قبل الصراع بعد أن أعادت الهدنة الأمريكية–الإيرانية فتح مضيق هرمز، فانحسر معظم علاوة المخاطر التي بناها السوق منذ فبراير. لكن القصة لم تعد قصة عرضٍ وطلب فحسب، بل اشتبكت مع تحوّل لافت في موقف الفيدرالي ودولارٍ يصعد بثبات.
يكفي أن ننظر إلى السعر اليوم لنعرف أن السوق طوى صفحة الحرب. كسر خام WTI حاجز 70 دولارًا للمرة الأولى منذ اندلاع المواجهة مع إيران، ليلامس أدنى مستوياته منذ مطلع مارس، بينما تراجع برنت إلى ما دون 74 دولارًا. وبهذا يكون الخام قد محا قرابة 40% من قمته الحربية التي سجّلها في أبريل قرب 117 دولارًا لبرنت و113 دولارًا لغرب تكساس. والأهم من الرقم هو ما يعنيه: علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تضخّمت طوال أربعة أشهر انحسر معظمها، وإن لم تتلاشَ بالكامل بعد.
وثمة إشارة فنية تؤكد هذا التحوّل في المزاج. انزلق الفارق الزمني القريب لعقود برنت إلى حالة كونتانجو هابط لأول مرة منذ بدء الصراع، أي أن العقود الفورية باتت أرخص من الآجلة، وهو ما يقوله السوق حين يطمئن إلى أن الإمدادات في طريقها للعودة ولم يعد هناك ما يستدعي دفع علاوة مقابل البرميل الحاضر.
المُحرّك: هدنةٌ تُعيد فتح هرمز
بدأت الحرب في 28 فبراير حين شنّت واشنطن وتل أبيب ضربات على إيران، فأُغلق مضيق هرمز عمليًا، وهو الممر الذي يعبره نحو 20% من نفط العالم وغازه المسال. ومع كل أسبوع إغلاق كانت العلاوة تتضخّم. ثم جاء التحوّل في منتصف يونيو: توقيع مذكّرة تفاهم بوساطة باكستانية تُمدّد وقف إطلاق النار 60 يومًا، وتُعيد فتح المضيق، وتُنهي الأعمال العدائية في لبنان، مع جولة مفاوضات نووية مفتوحة.
وتترجم بيانات الملاحة هذا الكلام إلى أفعال. ارتفعت أعداد الناقلات العابرة لهرمز وأجهزة التتبّع تعمل علنًا بعد ضمانات أمنية، وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة أن الإمارات باتت تُصدّر قرابة 85% من مستوياتها قبل الحرب. أضِف إلى ذلك إعفاءً أمريكيًا مؤقتًا يسمح بشراء شحنات إيرانية كانت مُحمّلة بالفعل، وفائض عروض من الخليج وغرب أفريقيا. باختصار: العرض يعود أسرع مما كان السوق يخشاه.
على أن الصورة ليست خالية من الشروخ. فالاتفاق إطارٌ مبدئي لا تسوية نهائية، ومصير المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال على طاولة التفاوض. وأي تعثّر خلال نافذة الـ60 يومًا يفتح الباب أمام عودة التصعيد، فيما تتواصل الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله رغم الهدنة المُعلنة. وهذا هو مصدر العلاوة المتبقّية، الضئيلة، التي قد تعود للاتساع عند أول عنوان سلبي.
البُعد النقدي: الفيدرالي يقلب التوقعات
هنا تتقاطع قصة النفط مع قصة الفائدة. فصدمة الطاقة التي أشعلتها الحرب رفعت التضخّم الأمريكي إلى مستويات لم يعرفها منذ سنوات؛ إذ بلغ مؤشر أسعار المستهلكين في مايو 4.2% سنويًا، فانقلب مسار التوقعات رأسًا على عقب. ففي مطلع العام كان السوق يسعّر خفضين للفائدة خلال عام 2026، واليوم بات يسعّر احتمال رفع قبل نهاية العام.
ثبّت الفيدرالي الفائدة عند نطاق 3.50%–3.75% في اجتماع 17 يونيو، وهو أول اجتماع برئاسة كيفن وارش. لكن الرسالة الأهم جاءت من «مخطّط النقاط»: قفز المتوسط المتوقّع لسعر الفائدة في نهاية العام إلى 3.8% من 3.4% في مارس، مع تسعة أعضاء من أصل تسعة عشر يرون رفعًا واحدًا على الأقل هذا العام. ووارش نفسه، الذي كرّر عبارة «استقرار الأسعار» اثنتي عشرة مرة في مؤتمره، حذف التوجيه المستقبلي من البيان وأبقى الباب مفتوحًا للتشديد إن استمرّ التضخّم.
والنتيجة على النفط مزدوجة. فمن جهة، يسحب انحسار علاوة الحرب السعر هبوطًا؛ ومن جهة أخرى، ترفع توقعات الفائدة الأعلى عوائد السندات وتُقوّي الدولار، والخام مُقوَّمٌ بالدولار. وكل صعود في العملة الأمريكية يجعل البرميل أغلى على المشترين خارجها فيكبح الطلب. ضغطٌ من الجيوسياسة وضغطٌ من النقد، في الاتجاه نفسه.
النفط والعملات: العلاقة العكسية تعمل
يتحرّك مؤشر الدولار DXY قرب 101.5 داخل قناة صاعدة، وقد امتدّ صعوده بعد اجتماع الفيدرالي مدفوعًا برهانات «الأعلى لفترة أطول». وفي جلسة 24 يونيو كانت العملات السلعية، وعلى رأسها الدولاران الأسترالي والكندي، الأكثر تضرّرًا، وهو سلوك نموذجي حين يتراجع النفط ويصعد الدولار معًا. والدولار الكندي تحديدًا يبقى العملة الأوثق ارتباطًا بالخام، إذ تستمدّ كندا جزءًا من قوّة عملتها من صادراتها النفطية.
جانب العرض: أوبك+ والبنية المتغيّرة
خلف الحدث الجيوسياسي يتحرّك تحوّلٌ هيكلي أعمق. فقد خرجت الإمارات رسميًا من أوبك وأوبك+ اعتبارًا من الأول من مايو، ما قلّص تقدير السعة الفائضة للمنظمة إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا؛ أي أن وسادة الأمان التي تمتصّ بها أوبك الصدمات صارت أرفع. وقد ساعد سحبٌ من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي في مارس على سدّ جزء من فجوة الإمدادات أثناء الحرب.
أما المؤسسات فتشير إلى مسار تطبيع تدريجي لا انهيار. فتتوقّع إدارة معلومات الطاقة تراجع برنت نحو 89 دولارًا في الربع الأخير من العام ثم 79 دولارًا في عام 2027 مع عودة الإمدادات، وخفض بنك جولدمان ساكس تقديره لبرنت في الربع الرابع إلى 80 دولارًا متوقّعًا عودة صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب بنهاية يوليو. والمفارقة أن السعر الفوري سبق هذه التقديرات هبوطًا، إذ يتداول الآن أقرب إلى نطاق ما قبل الصراع قرب 67–73 دولارًا.

والأسهم الصاعدة على الإطار الزمني تعكس اختبارات الدعم؛ وطالما بقيت علاوة المخاطر منحسرة، يميل الضغط لأن يبقى على الجانب الهابط ما لم يُعد التصعيد بناءها.

ماذا نراقب؟
تبقى نافذة الـ60 يومًا هي بيت القصيد. فنجاح المفاوضات النووية يثبّت التطبيع ويُبقي الخام في نطاقه المنخفض، وأي انهيار لها يعيد علاوة الحرب دفعة واحدة. وبين هذا وذاك تظلّ ثلاثة عوامل تستحقّ المتابعة: وتيرة عودة الملاحة عبر هرمز، وردّ فعل أوبك+ على عودة المعروض في ظلّ سعة فائضة أرفع، ومسار الدولار الذي بات يتلقّى دعمًا من رهانات الفائدة. وما دامت هذه العوامل تصطفّ في اتجاه واحد، يبقى الميل العام للخام دفاعيًا.
