الذهب يعمق خسائره... وينخفض ما دون 4000 دولار للأونصة!

تم النشر 25/06/2026, 15:22

في واحدة من أكثر الفترات حساسية في الأسواق المالية العالمية ، يمر الذهب بمرحلة إعادة تسعير حادة تعكس تحولات عميقة في موازين القوى بين السياسات النقدية والتوترات الجيوسياسية وتدفقات السيولة العالمية ، فبعد أن كان المعدن النفيس أحد أبرز المستفيدين من حالة عدم اليقين خلال الأشهر الماضية ، بدأ يفقد بريقه تدريجيا ، متراجعا إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من سبعة أشهر ، في تحول لا يمكن اعتباره مجرد حركة تصحيحية عابرة ، بل يعكس تغيرا هيكليا في سلوك المستثمرين ، هذا التراجع لم يأت من فراغ بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل رئيسية ، في مقدمتها قوة الدولار الأمريكي ، وتصاعد رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية ، إلى جانب حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين بشأن مسار الاقتصاد العالمي. 

ومن الواضح أن العامل الأكثر تأثيرا في الضغط على الذهب يتمثل في الصعود القوي للدولار الأمريكي ، الذي سجل أعلى مستوياته في أكثر من عام ، هذا الارتفاع لا يعكس فقط قوة الاقتصاد الأمريكي ، بل يعبر أيضا عن تحولات في تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة بالدولار ، في ظل توقعات بارتفاع العوائد ، وبما أن الذهب يتم تسعيره بالدولار ، فإن أي ارتفاع في العملة الأمريكية يؤدي تلقائيا إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى ما يضعف الطلب العالمي عليه.

لكن التأثير الأعمق يأتي من جانب أسعار الفائدة ، فالتوقعات المتزايدة بقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة عدة مرات خلال العام الحالي أعادت تشكيل البيئة الاستثمارية بالكامل ، فالذهب بطبيعته أصل لا يدر عائدا ، وبالتالي يصبح أقل جاذبية عندما ترتفع الفائدة ، حيث يفضل المستثمرون التحول إلى أدوات مالية توفر عوائد ثابتة مثل السندات ، والأسواق حاليا تسعر سيناريو يتضمن ثلاث زيادات محتملة في أسعار الفائدة ، مع احتمال قوي لرفع جديد خلال الأشهر المقبلة ، هذا التحول في التوقعات يعكس قناعة متزايدة بأن التضخم لا يزال يمثل تحديا رئيسيا ، وأن البنك المركزي الأمريكي لن يتردد في مواصلة التشديد النقدي حتى لو كان ذلك على حساب النمو الاقتصادي.

في حين تكتسب بيانات التضخم وخاصة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ، أهمية استثنائية إذ تعتبر المقياس المفضل لصناع القرار في تحديد مسار السياسة النقدية، أي قراءة أعلى من التوقعات قد تعزز من احتمالات رفع الفائدة ، وبالتالي تزيد من الضغوط على الذهب ، في حين أن أي تباطؤ في التضخم قد يمنح المعدن النفيس بعض الدعم المؤقت ، ورغم أن الذهب ينظر إليه تقليديا كملاذ آمن في أوقات الأزمات ، إلا أن هذه القاعدة لم تعد تعمل بنفس الكفاءة في البيئة الحالية ، فالمستثمرون أصبحوا أكثر حساسية تجاه العوائد ، وأكثر ميلا نحو الأصول التي توفر تدفقات نقدية، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة.

ولا يمكن أيضا تجاهل دور العوامل الجيوسياسية ، خاصة التوترات في الشرق الأوسط ، والتي كانت في السابق أحد أبرز محركات صعود الذهب ، إلا أن تأثير هذه العوامل يبدو محدودا في الوقت الحالي ، حيث طغت عليها العوامل النقدية ، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق أصبحت أكثر تركيزا على السياسات الاقتصادية من الأحداث السياسية ، على الأقل في المدى القصير.

والتراجع الحاد الذي شهده الذهب من ذروته التاريخية ، والتي اقترب فيها من مستويات قياسية ، يعكس أيضا عمليات جني أرباح واسعة النطاق ، خاصة من قبل الصناديق الاستثمارية الكبرى ، هذه الصناديق والتي كانت قد عززت مراكزها في الذهب خلال فترات عدم اليقين ، بدأت الآن في تقليص تعرضها ، ما أدى إلى زيادة الضغوط البيعية ، وهذا الانخفاض يعكس ضعفا عاما في شهية المخاطرة ، ويؤكد أن الضغوط ليست مرتبطة بعامل واحد ، بل هي نتيجة بيئة اقتصادية كلية غير مواتية.

والأهم من ذلك أن جميع الأنظار وفي جميع أنحاء العالم ، ان هذا التراجع يمثل فعلا فرصة للشراء والأستثمار ، لكي نكون  واضحين فإن الذهب سوف يعتمد على عدة متغييرات ، فإذا استمر الدولار في قوته وواصلت أسعار الفائدة ارتفاعها ، فمن المرجح أن يبقى الذهب تحت الضغط ، أما إذا بدأت المؤشرات الاقتصادية في إظهار علامات ضعف ، أو تراجع التضخم بشكل ملحوظ ، فقد نشهد تحولا في السياسة النقدية ، وهو ما قد يدعم الذهب مجددا.

ويظل الذهب أصلا استراتيجيا مهما في المحافظ الاستثمارية ، خاصة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العالمي ، إلا أن توقيت الدخول إلى السوق أصبح أكثر تعقيدا ، ويتطلب قراءة دقيقة للبيانات الاقتصادية والتوجهات النقدية.

وما نشهده حاليا ليس مجرد تراجع في أسعار الذهب ، بل هو إعادة تقييم شاملة لدوره في النظام المالي العالمي ، ومع استمرار التغيرات في السياسات النقدية وتدفقات رأس المال ، سيبقى الذهب في قلب المعادلة ، لكنه لن يتحرك بنفس القواعد القديمة التي اعتاد عليها المستثمرون ، في حين تتطلب المرحلة الحالية حذرا ، وقراءة متأنية وفهما عميقا للعلاقات المعقدة بين العملات والفائدة والتضخم ، ففي عالم الأسواق لا شيء يبقى ثابتا ، والذهب رغم تاريخه الطويل كملاذ آمن ليس استثناء من هذه القاعدة.

وستمرت أسعار الذهب بالتراجع اليوم الخميس إلى قرب أدنى مستوياتها في أكثر من 7 أشهر ،ووصل عد أدنى مستوى له 3963.34 دولار للأونصة ، مع ترقب المستثمرون لبيانات التضخم الرئيسية والتي سوف تحدد مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

 الذهب

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.