عاجل: عودة الحرب من جديد وتهديدات ترامب..هل تتوقف قبل الافتتاح؟
رغم انحسار المخاوف الفورية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وتراجع أسعار النفط عن مستويات الذروة، فإن الاقتصاد العالمي لا يزال يواجه تحديات معقدة قد تكون أكثر تأثيراً من الأزمة نفسها. فالتوقعات تشير إلى نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3.2% خلال 2026 و3.5% في 2027، مع تباطؤ التضخم إلى 3% هذا العام ثم 2.4% في العام المقبل، إلا أن هذه الأرقام الإيجابية تخفي وراءها مخاطر أكبر تتمثل في استمرار التشديد النقدي وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
ورغم أن المخاطر الجيوسياسية تبقى الأكثر قدرة على إحداث صدمات مفاجئة في الأسواق، فإن التشديد النقدي المطول يبدو التهديد الأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي في المدى المتوسط. فالتوقعات ترجح استمرار رفع أسعار الفائدة الأمريكية بنحو 75 نقطة أساس خلال العام، نتيجة بقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة واستمرار قوة سوق العمل، وهو ما يعني بقاء تكلفة التمويل مرتفعة لفترة أطول.
وتنعكس الفائدة المرتفعة مباشرة على النشاط الاقتصادي، إذ تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، وتباطؤ الاستثمار، وزيادة أعباء خدمة الديون، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على التمويل بالدولار. كما أن استمرار العوائد المرتفعة على السندات يقلص شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، ويزيد احتمالات حدوث تصحيحات في أسواق الأسهم التي استفادت خلال السنوات الأخيرة من طفرة الذكاء الاصطناعي والسيولة الوفيرة.
في المقابل، لا تزال التوترات الجيوسياسية تمثل مصدر الخطر الأكثر تقلباً. فالهدوء الحالي في الشرق الأوسط يبقى هشاً، وأي تصعيد جديد قد يدفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع سريعاً، خاصة مع انخفاض المخزونات العالمية، وهو ما قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية ويؤخر عودة الأسعار إلى مستويات الاستقرار.
ولا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد إلى التجارة العالمية أيضاً، مع استمرار التوترات بين الولايات المتحدة والصين، واحتمال فرض قيود ورسوم جمركية جديدة على المنتجات التكنولوجية، الأمر الذي قد يعرقل سلاسل الإمداد العالمية ويؤثر في قطاع أشباه الموصلات والصادرات الآسيوية التي تشكل حالياً أحد أبرز محركات النمو العالمي.
وتكمن الخطورة الحقيقية في تزامن هذين العاملين؛ إذ إن أي صدمة جيوسياسية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما سيدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة أو تشديدها أكثر، لتدخل الاقتصادات في حلقة صعبة من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو السياسة النقدية العامل الأكثر تأثيراً على أداء الأسواق خلال المرحلة المقبلة، بينما تظل التوترات الجيوسياسية الشرارة القادرة على تغيير التوقعات في أي لحظة. لذلك، فإن مستقبل الاقتصاد العالمي لن يتحدد فقط باتجاه أسعار النفط، بل بقدرة البنوك المركزية على احتواء التضخم دون خنق النمو، وبمدى نجاح العالم في تجنب أزمات جيوسياسية جديدة قد تعيد خلط أوراق الأسواق من جديد.
