عاجل: صدور بيانات إعانات البطالة الأمريكية مخالفة للتوقعات.. والأسواق تتفاعل
عندما يتجاوز الذهب حاجز 4100 دولار للأونصة، فإن الأسواق لا تشتري المعدن الأصفر فحسب، بل تشتري الخوف من المستقبل.
ففي لحظة تتقاطع فيها التوترات العسكرية في الشرق الأوسط مع عودة الضغوط التضخمية العالمية، يجد المستثمرون أنفسهم أمام واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية تعقيداً منذ سنوات. وبينما تتزايد المخاوف من اضطرابات محتملة في أسواق الطاقة العالمية، وتتصاعد التساؤلات بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية، يواصل الذهب ترسيخ مكانته كملاذ آمن استثنائي، محافظاً على تداولاته قرب 4060 دولاراً للأونصة، في واحدة من أقوى موجات الصعود التي شهدها المعدن النفيس في تاريخه الحديث.
ولعل ما يمنح هذا الصعود زخماً استثنائياً يتمثل في أن المحركات الداعمة له لا تقتصر على عامل واحد، بل تشمل مزيجاً نادراً من المخاطر الجيوسياسية، ومخاوف التضخم، والانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب الطلب القوي من البنوك المركزية العالمية التي واصلت تعزيز احتياطياتها الذهبية خلال السنوات الأخيرة.
التاريخ يتحدث: الذهب الرابح الأكبر في زمن الأزمات
عبر العقود الماضية، أثبت الذهب أنه أحد أكثر الأصول قدرة على الصمود خلال الاضطرابات الكبرى. فعقب الغزو العراقي للكويت عام 1990، ارتفعت الأسعار بأكثر من 13% خلال أسابيع قليلة مع تصاعد المخاوف من اتساع الحرب وتهديد إمدادات النفط العالمية، قبل أن تتراجع لاحقاً مع انحسار حالة عدم اليقين.
كما استفاد المعدن النفيس من حالة القلق التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001، قبل أن يدخل في موجة صعود طويلة خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011، عندما فقد المستثمرون الثقة بالعديد من الأصول التقليدية واتجهوا نحو الذهب كحافظ للقيمة.
وخلال الأزمة المالية العالمية، صعد الذهب من مستويات تقارب 700 دولار للأونصة إلى ما يزيد على 1900 دولار في عام 2011، مسجلاً واحدة من أكبر موجات الصعود في تاريخه الحديث. كما عاد المعدن النفيس للاستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022 وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
وتُظهر التجارب التاريخية أن الذهب لا يستجيب للحروب المباشرة فقط، بل يزدهر بصورة أكبر عندما تصبح حالة عدم اليقين طويلة الأمد، ويبدأ المستثمرون بالبحث عن أصول تتمتع بقدرة استثنائية على الحفاظ على القيمة في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية.
الشرق الأوسط يعيد رسم خريطة المخاطر العالمية
خلال الساعات الأخيرة، عادت المنطقة إلى صدارة المشهد المالي العالمي بعد التطورات العسكرية المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من ضربات عسكرية وتصاعد في حدة التصريحات السياسية.
فقد أعلن الجيش الأمريكي تنفيذ عمليات إضافية تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وحماية الملاحة الدولية، فيما أفادت تقارير بوقوع انفجارات في عدة مناطق إيرانية استراتيجية مع تفعيل أنظمة الدفاع الجوي. كما جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة لتؤكد تراجع فرص التهدئة وعودة المخاوف من اتساع دائرة المواجهة في المنطقة.
ولا تنظر الأسواق إلى هذه التطورات من زاوية عسكرية فقط، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً مع أهمية مضيق هرمز الذي يمثل واحداً من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط في العالم.
ولهذا السبب، قفزت أسعار النفط مجدداً مع عودة المخاوف بشأن أمن الإمدادات، الأمر الذي أعاد ملف التضخم إلى واجهة اهتمامات المستثمرين والبنوك المركزية.
الفيدرالي الأمريكي بين تباطؤ النمو وعودة الضغوط التضخمية
في الوقت الذي كانت الأسواق تعتقد أن بيانات الوظائف الأمريكية الضعيفة ستدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر مرونة، جاءت محاضر الاجتماع الأخير لتكشف عن صورة أكثر تعقيداً.
فقد أظهرت المحاضر انقساماً واضحاً بين المسؤولين بشأن الاتجاه المستقبلي للفائدة. فبينما يرى بعض الأعضاء أن التضخم قد يتراجع تدريجياً بما يسمح بالإبقاء على الفائدة أو خفضها لاحقاً، يعتقد آخرون أن المخاطر التضخمية ما زالت مرتفعة بما يكفي لتبرير تشديد إضافي إذا استمرت الضغوط السعرية بالتصاعد.
وأشار معظم المشاركين إلى أن التضخم قد يظل مرتفعاً نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ارتفاع الطلب المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وتأثير الرسوم الجمركية على الأسعار. كما أن بعض المسؤولين رأوا بالفعل مبررات اقتصادية لرفع الفائدة خلال الاجتماع الأخير رغم قرار التثبيت بالإجماع عند نطاق 3.50% – 3.75%.
هذا الانقسام يعكس حقيقة أساسية مفادها أن معركة التضخم لم تُحسم بعد، وأن أي قفزة جديدة في أسعار الطاقة قد تعيد خلط الأوراق بالكامل.
النفط والتضخم... العلاقة التي تخشاها الأسواق
تاريخ الاقتصاد العالمي يوضح أن أسواق الطاقة كانت دائماً الشرارة التي أشعلت العديد من موجات التضخم الكبرى.
ففي سبعينيات القرن الماضي، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى موجة تضخمية عالمية غير مسبوقة. وبعد أكثر من أربعة عقود، شهد العالم تكراراً جزئياً للمشهد نفسه عقب الحرب الروسية الأوكرانية، عندما قفزت أسعار الطاقة وارتفعت تكاليف الإنتاج والنقل بشكل حاد.
واليوم، يبدو أن الأسواق تعيد مراقبة المعادلة ذاتها.
فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع نتيجة المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية النمو الاقتصادي من جهة ومواجهة الضغوط التضخمية من جهة أخرى. وعادةً ما تشكل مثل هذه البيئة أرضية مثالية لاستمرار الطلب على الذهب.
البنوك المركزية... اللاعب الصامت الذي يدعم السوق
بعيداً عن العناوين السياسية اليومية، هناك عامل استراتيجي بالغ الأهمية يواصل دعم الذهب ويتمثل في الطلب الرسمي من البنوك المركزية.
فمنذ عام 2022، سجلت البنوك المركزية العالمية مشتريات سنوية تجاوزت 1000 طن من الذهب في عدة سنوات متتالية، وهي من أعلى مستويات الشراء الرسمي المسجلة في العصر الحديث. وقد قادت هذه الموجة مجموعة من الاقتصادات الكبرى والناشئة التي سعت إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
وتكتسب هذه المشتريات أهمية استثنائية لأنها لا ترتبط بالمضاربات قصيرة الأجل، بل باستراتيجيات سيادية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي والتحوط من المخاطر الجيوسياسية وتقلبات العملات العالمية.
ولهذا السبب يرى العديد من المحللين أن مشتريات البنوك المركزية أصبحت تشكل أحد أقوى الدعائم الهيكلية لسوق الذهب خلال السنوات الأخيرة، وساهمت في رفع القاعدة السعرية للمعدن النفيس إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالدورات السابقة.
القراءة الفنية:
4000 دولار تتحول إلى قلعة دفاع رئيسية
من الناحية الفنية، لم يعد مستوى 4000 دولار مجرد حاجز نفسي، بل أصبح نقطة ارتكاز رئيسية للاتجاه العام.
الثبات فوق 4000 دولار يعزز استمرار الاتجاه الصاعد.
اختراق مستوى 4100 دولار قد يفتح الطريق نحو 4150 دولاراً ثم 4200 دولار.
تجاوز مستوى 4200 دولار قد يدفع الأسعار نحو قمم تاريخية جديدة.
أما كسر مستوى 4000 دولار والإغلاق دونه فقد يقود إلى عمليات جني أرباح باتجاه 3950 ثم 3900 دولار.
هل يستعد الذهب لمرحلة تاريخية جديدة؟
للمرة الأولى منذ سنوات، تتقاطع الجغرافيا السياسية والطاقة والتضخم والسياسة النقدية في نقطة واحدة، ويبدو أن الذهب يقف في قلب هذا المشهد العالمي المعقد باعتباره المستفيد الأكبر من اتساع دائرة المخاطر وعدم اليقين.
فعندما اجتمعت ظروف مشابهة خلال الأزمات النفطية الكبرى، وحرب الخليج، والأزمة المالية العالمية، كان الذهب أحد أبرز الرابحين من التحولات الاقتصادية والمالية العنيفة التي شهدتها الأسواق العالمية.
واليوم، تبدو الصورة متشابهة إلى حد كبير. فأسعار الطاقة ترتفع، والمخاطر الجيوسياسية تتفاقم، ومسؤولو الاحتياطي الفيدرالي منقسمون حول مستقبل السياسة النقدية، بينما تستمر البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من المعدن النفيس.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الذهب مدعوماً بعوامل أساسية قوية، ومع حفاظه على تداولاته فوق مستوى 4000 دولار للأونصة، تظل احتمالات استهداف مستويات تاريخية جديدة قائمة بقوة خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وواصلت أسعار الطاقة تغذية الضغوط التضخمية العالمية
وعندما يزداد ضباب المستقبل كثافة، لا يبحث المستثمرون عن الوعود... بل عن الذهب.

