بنك باركليز يحذر من صعود أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل
تشهد الأسواق العالمية مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر بعد تزامن فرض الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 20% على الشحنات العابرة لمضيق هرمز مع تصاعد هجمات الحوثيين على السعودية، وهو تطور لا يهدد فقط إمدادات الطاقة، بل يرفع أيضاً تكلفة نقل النفط والغاز والبضائع عالمياً. وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها تضيف تكلفة دائمة على التجارة العالمية حتى دون حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات، ما يعزز الضغوط التضخمية ويزيد حالة عدم اليقين في الأسواق.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري. وفي الوقت نفسه، فإن استهداف الحوثيين للسعودية يوسع دائرة المخاطر لتشمل منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب والموانئ، ما يضع أسواق النفط أمام احتمال استمرار "علاوة المخاطر الجيوسياسية" لفترة أطول.
بالنسبة لأسعار النفط، فإن الأسواق لا تسعر الإمدادات الحالية فقط، بل تسعر أيضاً احتمالات تعطلها مستقبلاً. لذلك، فإن استمرار التوتر قد يدفع خام برنت إلى التحرك فوق مستويات 80 دولاراً للبرميل، بينما قد يؤدي اتساع نطاق الصراع أو تعطل الملاحة إلى ارتفاع الأسعار نحو 90–100 دولار أو أكثر، وهو ما سينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع عالمياً.
أما الذهب، فيظل أحد أبرز المستفيدين من تصاعد المخاطر الجيوسياسية باعتباره ملاذاً آمناً، إلا أن مكاسبه قد تكون محدودة إذا أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع الدولار وعوائد السندات، ما يخلق توازناً بين قوة الطلب على الملاذات الآمنة والضغوط الناتجة عن السياسة النقدية.
وعلى صعيد الأسهم، فمن المرجح أن تواجه الأسواق العالمية موجة من التقلبات، حيث تتعرض شركات الطيران والنقل والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لضغوط نتيجة ارتفاع التكاليف، في حين قد تستفيد شركات النفط والغاز والدفاع من البيئة الحالية. كما أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يقلص هوامش أرباح العديد من الشركات ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط.
ويمثل التضخم التحدي الأكبر أمام البنوك المركزية، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على الوقود، بل يمتد إلى الغذاء والنقل والخدمات وسلاسل الإمداد، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي.
في المقابل، قد تستفيد الاقتصادات الخليجية مالياً من ارتفاع أسعار النفط عبر زيادة الإيرادات الحكومية وتحسن الفوائض المالية، إلا أن استمرار التوترات الأمنية قد يرفع تكلفة التأمين والاستثمار ويؤثر في حركة التجارة الإقليمية.
في المجمل، تشير هذه التطورات إلى أن الاقتصاد العالمي قد يكون دخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، حيث أصبحت أسعار الطاقة والتضخم والسياسة النقدية والأسواق المالية أكثر ارتباطاً بالأحداث الأمنية في الشرق الأوسط. وإذا استمرت هذه التوترات، فمن المرجح أن يبقى النفط عند مستويات مرتفعة، وأن تستمر حالة التذبذب في الذهب والأسهم، مع تزايد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية وتأجيل دورة خفض أسعار الفائدة، وهو ما يجعل النصف الثاني من العام أكثر حساسية لأي تطور جيوسياسي جديد.
إن اجتماع المخاطر في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب يمثل تحولاً استراتيجياً في بيئة الاقتصاد العالمي، إذ لم تعد الأسواق تسعر احتمال تعطل الإمدادات فحسب، بل أصبحت تسعر ارتفاعاً دائماً في تكلفة التجارة والطاقة والتأمين البحري. وإذا استمرت هذه التوترات، فقد تدخل الأسواق مرحلة جديدة من "التضخم الجيوسياسي"، حيث تصبح أسعار النفط والذهب والفائدة والأسهم أكثر ارتباطاً بالتطورات الأمنية في أهم الممرات البحرية العالمية، مما يزيد من تقلبات الأسواق ويصعب مهمة البنوك المركزية في تحقيق التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي.









