"الهيليوم".. الحلقة الخفية في صناعة الرقائق الإلكترونية

تم النشر 25/07/2026, 11:00


في عالم التكنولوجيا، اعتاد الجميع الحديث عن “الرقائق الإلكترونية”، و”الذكاء الاصطناعي”، و”الحوسبة السحابية”، و”أشباه الموصلات” باعتبارها محركات المستقبل، لكن خلف هذه الصناعات العملاقة يقف عنصر لا يحظى بالاهتمام نفسه، رغم أنه يمثل أحد الأعمدة الأساسية لاستمرارها.

إنه غاز الهيليوم، الذي يعرفه كثيرون باعتباره الغاز المستخدم في “نفخ البالونات”، بينما تعتمد عليه في الواقع أكثر الصناعات تطورًا وحساسية في العالم، واليوم.. ومع تعطل جزء كبير من الإمدادات العالمية، تحول هذا الغاز إلى مصدر قلق عالمي، بعدما كشفت الأزمة أن صناعة تقدر قيمتها بنحو “تريليون دولار” قد تواجه اضطرابات واسعة بسبب نقص مادة خام لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من تكلفة التصنيع، لكنها لا تملك بديلاً عمليًا في الوقت الحالي.

وقود الصناعة الرقمية..

“الهيليوم” ليس مجرد غاز خفيف، بل يتمتع بخصائص فيزيائية فريدة جعلته عنصرًا لا غنى عنه في تصنيع “الرقائق الإلكترونية”، فهو (ثاني أخف عنصر في الكون)، كما يمتلك أدنى درجة غليان بين جميع العناصر، ما يجعله الوسيلة المثالية للتبريد في البيئات الصناعية فائقة الحساسية، وتعتمد (مصانع أشباه الموصلات) على “الهيليوم” في أربع عمليات رئيسية، أولها “تبريد أجهزة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى”، وهي التقنية الوحيدة القادرة على إنتاج الرقائق المتقدمة المستخدمة في (تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتطورة)، حيث يتيح “الهيليوم” التبريد دون أن يسبب أي تلوث قد يؤثر على دقة التصنيع، أما الاستخدام الثاني، فيتمثل في (تبريد رقائق السيليكون خلال عمليات زرع الأيونات)، وهي مرحلة أساسية لتعديل الخصائص الكهربائية للرقاقة، بينما يستخدم في المرحلة الثالثة لـ(اكتشاف أدق التسريبات داخل غرف التصنيع المفرغة)، مستفيدًا من صغر حجم ذراته وقدرته على المرور عبر أصغر الفجوات.

وفي المرحلة الرابعة.. يعمل كغاز خامل خلال “عمليات الترسيب الكيميائي للبخار”، حيث ينقل المواد اللازمة لبناء الطبقات الدقيقة داخل الرقائق دون الدخول في أي تفاعلات كيميائية، وتزداد أهمية “الهيليوم” مع توسع الاعتماد العالمي على الرقائق المتطورة، سواء في الهواتف الذكية أو مراكز البيانات أو السيارات الكهربائية أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعني أن أي اضطراب في إمداداته ينعكس مباشرة على مختلف الصناعات التقنية، ويُستخرج “الهيليوم” في الأساس كمنتج ثانوي أثناء استخراج “الغاز الطبيعي”، ويبلغ الإنتاج العالمي نحو (190 مليون متر مكعب سنويًا)، وتتصدر “الولايات المتحدة” قائمة المنتجين، إلا أن معظم إنتاجها يستهلك محليًا، بينما تحتل “قطر” المرتبة الثانية بإنتاج يقارب (ثلث الإمدادات العالمية)، وتتميز بإنتاج “الهيليوم” فائق النقاء بنسبة تصل إلى 99.999%، وهو المستوى المطلوب للصناعات الإلكترونية الدقيقة التي لا تحتمل أي شوائب.

صدمة الإمدادات العالمية..

كشفت الأزمة الأخيرة مدى “هشاشة سلاسل الإمداد العالمية”، عندما تعرضت “منشأة رأس لفان القطرية”، (أحد أكبر مراكز إنتاج الهيليوم في العالم) لاضطرابات أدت إلى توقف الإنتاج وإعلان “حالة القوة القاهرة”، بالتزامن مع تعطل حركة الملاحة عبر “مضيق هرمز”، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل (صادرات الطاقة والغاز)، وأدى هذا التطور إلى فقدان ما يقرب من (30%) من “إمدادات الهيليوم العالمية” خلال فترة قصيرة، بينما ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت بين (50% و100%)، نتيجة المخاوف من استمرار الأزمة وصعوبة تعويض الكميات المفقودة، ولا تكمن المشكلة في الإنتاج وحده، بل تمتد أيضًا إلى النقل، إذ يحتاج “الهيليوم” إلى التسييل عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، ثم تخزينه داخل حاويات متخصصة مرتفعة التكلفة، ما يجعل عملية الشحن أكثر تعقيدًا من كثير من الغازات الصناعية الأخرى.

ومع تعطل الملاحة، أصبحت (مئات الحاويات عالقة) في المنطقة، الأمر الذي زاد الضغوط على “سلاسل التوريد العالمية”، وتعد “كوريا الجنوبية” من أكثر الدول تعرضًا للمخاطر، إذ تستورد نحو (65%) من احتياجاتها من “الهيليوم” من “قطر”، بينما تشير التقديرات إلى أن المخزونات المتاحة لدى (مصانع الرقائق) قد تكفي لنحو “أسابيع معدودة فقط”، وهو ما يضع أحد أهم مراكز تصنيع “أشباه الموصلات” في العالم أمام اختبار صعب إذا استمرت الأزمة، وتتفاقم المشكلة مع محدودية البدائل، فـ”الولايات المتحدة” لا تمتلك فائضًا كبيرًا للتصدير بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي، بينما واجه “المشروع الروسي” لإنتاج “الهيليوم” سلسلة من الحوادث والعقوبات التي حدت من قدرته على تعويض النقص، في حين لا يزال “الإنتاج الصيني” محدودًا ولا يسمح بسد الفجوة العالمية.

تداعيات تتجاوز الرقائق..

لن تقتصر آثار “أزمة الهيليوم” على (صناعة أشباه الموصلات) وحدها، بل تمتد إلى قطاعات طبية وصناعية عديدة، فـ”أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي” تعتمد على “الهيليوم السائل” لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل، كما تستخدمه شركات تصنيع الأقراص الصلبة الحديثة لخفض الاحتكاك داخل وحدات التخزين، ما يسمح بزيادة السعة وتحسين الكفاءة، وفي حال استمرار “نقص الإمدادات”، ستجد شركات تصنيع الرقائق نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإنتاجية، عبر توجيه الكميات المتاحة إلى “المنتجات الأعلى ربحية”، مثل “معالجات الذكاء الاصطناعي” و”مراكز البيانات”، على حساب الرقائق المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية التقليدية، وهو ما قد يؤدي إلى “نقص المعروض” و”ارتفاع أسعار الهواتف” و”الحواسيب والإلكترونيات الأخرى”.

وتبرز هذه الأزمة اختلافًا جوهريًا عن اضطرابات “جائحة كورونا”، ففي حين كانت “أزمة عام 2020” مدفوعة بارتفاع الطلب واختلال أنماط الاستهلاك، فإن الأزمة الحالية تنبع من نقص مادة خام أساسية في جانب العرض، وهو ما يجعل معالجتها أكثر تعقيدًا وأبطأ زمنيًا، كما تكشف الأزمة أن الشركات العالمية الكبرى، مثل “إنفيديا” و”سامسونج” و”أبل” و”تسلا”، ليست محصنة ضد اضطرابات المواد الخام، مهما بلغت قوتها المالية أو التقنية، لأن سلاسل الإمداد الحديثة تقوم على ترابط شديد يجعل تعطل حلقة واحدة كفيل بإبطاء المنظومة بأكملها.

وعلى المدى القصير، تبدو الحلول محدودة، إذ يرتبط استقرار السوق بعودة تدفق الإمدادات وفتح مسارات النقل الطبيعية، أما على المدى الطويل، فتتجه الصناعة نحو الاستثمار في (تقنيات إعادة تدوير الهيليوم)، و”توسيع مصادر الإنتاج”، و”تحسين كفاءة استخدامه داخل المصانع”، إلا أن هذه الخيارات تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، وفي السياق ذاته.. تعيد “أزمة الهيليوم” التذكير بحقيقة قد تغيب وسط الحديث عن الثورة الرقمية، فالتكنولوجيا الأكثر تقدمًا في العالم لا تعتمد فقط على البرمجيات والابتكار، بل على توافر مواد أولية قد تبدو بسيطة، لكنها تمثل حجر الأساس لمنظومة صناعية عالمية، يمكن أن تتباطأ أو تتوقف بالكامل بسبب غاز خفي لا يراه أحد، لكنه يحرك مستقبل العالم الرقمي.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.