الذهب بأيامه الأخيرة

تم النشر 07/09/2026, 14:16
محدث 07/09/2026, 14:16

« لو كان المال سلعة، كالذهب، فلا حاجة لمبادئ السياسة النقدية

— ميلتون فريدمان

 
في الاقتصاد لا يوجد شيء اسمه سعر ثابت أو قيمة أبدية، هناك فقط توازن مؤقت بين ما يثق به الناس اليوم وما قد يشكّون به غداً. ولهذا لم يكن الذهب طوال تاريخه مجرد معدن يرتفع عندما يزداد الطلب عليه وينخفض عندما يقل، وإنما كان بصورة أو بأخرى انعكاساً لمقدار الثقة التي نضعها في المال الذي يسعر الذهب.

 
فعندما يكون المال قوياً، والفائدة مرتفعة، والاقتصاد قادراً على إقناع الناس بأن الورق الذي يحملونه سيحافظ على قيمته ويعطيهم عائداً جيداً، يختفي بريق الذهب قليلاً. أما عندما تبدأ الثقة بالورق بالتراجع، أو تصبح تكلفة الاحتفاظ بالنقد أقل، يعود الذهب إلى المشهد وكأن السوق يتذكر فجأة أن هناك مالاً لا يحتاج إلى وعد من حكومة حتى يحتفظ بقيمته.

 
لكن هنا علينا أن نفرّق بين قيمة الذهب وبين سعر الذهب؛
قيمة الذهب عبر التاريخ تشكّلت من الندرة، والثقة، ودوره كمخزن للقيمة، ومن حاجة الدول والمستثمرين إلى أصل لا يرتبط بصورة كاملة بقرار جهة واحدة بشكل أو بآخر قد تخضع لأهواء شخصية. أما السعر، وخصوصاً على المدى القريب، فيمكن أن يقع تحت تأثير عوامل نقدية سريعة، وفي مقدمتها الفائدة، الدولار، وعوائد السندات.
 
ومن هنا تحديداً تأتي العلاقة المعقدة بين الذهب والاحتياطي الفيدرالي الأميركي؛
الفيدرالي لا يملك الذهب، ولا ينتجه، ولا يستطيع أن يضيف غراماً واحداً إلى معروضه، وبالتالي لا يسيطر على قيمته التاريخية ولا يستطيع أن يقرر مستقبله على المدى الطويل. لكنه على المدى القريب يملك قدرة كبيرة على التأثير في البيئة التي يُسعّر الذهب داخلها؛ لأنه يتحكم بأحد أهم المتغيرات الموجودة في هذه البيئة: تكلفة المال.
 
 

 
آخر الأخبار وأثرها على السعر
 

  السوق اليوم على بعد تسعة أيام فقط من واحد من أهم قرارات الفائدة لهذا العام، حيث يجتمع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر، ويصدر القرار في السادس عشر من الشهر، ومعه التوقعات الاقتصادية الجديدة للفيدرالي. وحتى هذه اللحظة لا يبدو القرار محسوماً بالكامل؛ الفائدة الأميركية موجودة حالياً ضمن نطاق 3.75% والفيدرالي أبقاها دون تغيير في اجتماعه السابق، لكن الملفت أن ثلاثة أعضاء صوّتوا حينها لصالح رفعها بمقدار 25 نقطة أساس، ما يعني أن فكرة العودة إلى التشديد لم تكن طارئة أساساً قبل اجتماع سبتمبر.
 
 
المشهد ازداد تعقيداً بعد بيانات الوظائف الأميركية الأخيرة. الاقتصاد أضاف نحو 162 ألف وظيفة في أغسطس، وبقي معدل البطالة عند 4.1%، وهي أرقام أعادت للسوق فكرة أن الاقتصاد الأميركي ما زال قادراً على تحمّل فائدة أعلى، ولذلك ارتفع تسعير احتمال رفع الفائدة في سبتمبر إلى قرابة 58%، بعدما كان السوق أكثر ميلاً لتثبيتها قبل صدور البيانات. بمعنى أوضح، نحن اليوم أمام سوق منقسم تقريباً إلى نصفين: نصف يرى أن التضخم وقوة سوق العمل يبرران رفعاً جديداً، ونصف يرى أن التشديد الحالي كافٍ وأن الأفضل الانتظار.
 
وما يزيد حساسية الأيام القادمة أن أهم البيانات لم تصدر بعد. بيانات التضخم الأميركية المنتظرة هذا الأسبوع قد تكون آخر معلومة كبيرة قادرة على تغيير تسعير السوق قبل الاجتماع؛ فإذا جاءت أقوى من المتوقع، تصبح حجة رفع الفائدة أكثر منطقية، أما إذا تباطأ التضخم بصورة واضحة، فقد يعود سيناريو التثبيت إلى الواجهة بقوة. لهذا يمكن القول إن الذهب خلال الأيام التسعة القادمة لن يكون تحت تأثير قرار الفائدة فقط، بل تحت تأثير تغيّر توقعات القرار قبل صدوره أساساً.
 
 
وهذا مهم جداً بالنسبة للذهب؛ لأن رفع الفائدة عادةً يرفع جاذبية السندات والنقد، وقد يدفع العوائد والدولار إلى الأعلى، وبالتالي يضغط على أصل لا يمنح فائدة مثل الذهب. أما التثبيت، وخصوصاً إذا ترافق مع خطاب أقل تشدداً، فقد يفعل العكس ويعيد جزءاً من السيولة نحو الذهب. لكن برأيي الخطأ هنا أن نختصر مستقبل الذهب كله بما سيحدث في السادس عشر من سبتمبر، لأن قرار الفائدة قد يغيّر سعر الذهب على المدى القريب، لكنه لا يستطيع وحده أن يزيل الأسباب التي دفعت الذهب أصلاً إلى هذه المستويات.

وهنا نعود لما شرحناه في مقالنا السابق عن مستقبل الذهب: المشكلة الأكبر لم تكن يوماً مجرد فائدة مرتفعة أو منخفضة، وإنما حجم السيولة والأرصدة الائتمانية التي تراكمت داخل النظام، مع ديون أميركية ضخمة، وتوسع نقدي حدث على مدار سنوات، وفي المقابل أصل مثل الذهب لا يمكن زيادة معروضه بنفس السرعة. ومع كل جولة جديدة من الديون والطباعة وخلق الائتمان، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل الثقة بالدولار والنظام القائم قادرة على الاستمرار بنفس القوة؟
 

لهذا قد يربح الفيدرالي جولة أمام الذهب إذا رفع الفائدة، وقد يدفعه إلى تصحيح مؤلم على المدى القريب بحال تم رفع الفائدة وهذا وفقاً للتحليل الاقتصادي خيار مستبعد، لكن تبقى المعركة الأكبر خارج اجتماع سبتمبر بالكامل. طالما بقيت أزمة السيولة، والدين، والثقة بالمال الورقي موجودة، ستبقى الأسباب البنيوية التي تدفع المستثمرين والبنوك المركزية نحو الذهب موجودة أيضاً.
 

التحليل الاقتصادي

 








بالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الحالية، نلاحظ أن التضخم عند مستوى 2.2%، أي أنه لا يبتعد سوى بنحو 0.2% عن هدف الفيدرالي، في حين يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً عند حدود 4.75%، بالتزامن مع بقاء عوائد السندات عند مستويات مرتفعة.

هذه المعطيات مجتمعة تجعل خيار تثبيت الفائدة أكثر منطقية في المرحلة الحالية. فرفع الفائدة أكثر قد يضغط على زخم النمو الاقتصادي، خصوصاً أن السياسة النقدية ما تزال مشددة أساساً، بينما خفض الفائدة في الوقت ذاته قد يكون مبكرًا، لأن الفيدرالي يريد التأكد من بقاء التضخم قريبا من مستهدفه وعدم عودته للارتفاع من جديد.

بمعنى أبسط، الفيدرالي يقف اليوم بين هدفين متعارضين نسبياً: الحفاظ على زخم النمو من جهة، وضمان استقرار التضخم من جهة أخرى. ولهذا قد يكون التثبيت هو الخيار الذي يمنحه أكبر مساحة للمراقبة قبل اتخاذ خطوة جديدة في أي من الاتجاهين، وكما نوهت سابقاً لا أعتقد سيكون هناك خفض للفائدة في هذا العام.
 
 
الخلاصة:
الفائدة قد تحدد أين يذهب الذهب الآن... لكن مشكلة المال نفسها هي التي ستحدد إلى أين يذهب الذهب لاحقاً.

 
نظرة على السعر

 "لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الإحصائيات" 
الطبيب صالح 

1. بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 250$، وهذا يعني أنّ قابلية حركة الذهب 250$ في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي، وبلغ الانحراف السنوي 593.
  
2. إحصائياً يتميز شهر 9 بالإيجابية على سعر الذهب بنسبة 55% عن الأشهر العادية.

3. احتمالياً ووفقاً لنموذج NDM، فإن مستوى 4800 – 5000 ضمن النطاق الاحتمالي الممكن.

4. احتمال أن يكسر السعر مستوى 4200 – 4000 هو 10%، واحتمال أن يكسر السعر مستوى 4000 فقط هو 1%، واحتمال إعادة اختبار 4300 – 4200 بلغت 65%.

5. وفقاً لإليوت فإن الموجة الرابعة التصحيحية تنتهي عند 3800 – 4000، وتبدأ بعدها موجة إليوت الخامسة التي تستهدف 4800 – 5000، شرط الحصول على الزخم الكافي _ وجود طلب.

6. وفقاً لعلوم DOW  طالما أن السعر أعلى 4450 يبقى زخم السعر إيجابي.

7. بلغ الفوليوم أسفل 4500 نحو مستويات غير مسبوقة مما يجعل أسفلها مستويات تراكم جيدة.

8. يتحقق نمط راية صاعد لسعر الذهب على الشارت اليومي بعد أن اختبر السعر 4225 ثم أغلق أعلاها.

9. السعر فقد زخمه أعلى 4600 – 4650 واعتبرت مستويات تصريف عالية بالنسبة للعوام.

10. توجد نسبة مشاعر متضاربة حول الذهب لدى المتداولين بنسب غير مسبوقة.
 
 
 















الخلاصة:

ما زلت أرى الذهب قد شكل قاعه عند 4000 – 4200 ولكن عدم قدرته على أحتراق 4700 يعود لسببين، وهما فقدان العزم وهذا يعني أنّه لا بد من إعادة اختبار القاع 4200 – أو 4300 على الأقل، وكذلك نتيجة دخول الذهب بهدوء ما قبل عاصفة الفيدرالي.
لكن ما إن يختبر الذهب مستوى 4200 نعود لوضع استهداف 4800، والثبات حينها مرهون بسعر الفائدة الصادر من الفيدرالي، لكن...
 

على المدى البعيد

ما زلت أرى أننا في رحلة لن تنتهي قبل 2029 وعند 7500 - 6000
 
 
رأي المستشار المالي

عندما يرفع الفيدرالي الفائدة، تصبح الأصول التي تمنح عائداً أكثر جاذبية، وترتفع تكلفة الاحتفاظ بأصل مثل الذهب لا يمنح فائدة. وعندما يخفضها، تبدأ هذه الأفضلية بالتراجع، فيصبح الذهب أكثر قدرة على منافسة النقد والسندات. لهذا قد يستطيع قرار واحد من الفيدرالي أن يضغط على الذهب لأسابيع أو بأحسن الأمور بضعة أشهر، لكنه لا يستطيع وحده أن يلغي أسباب امتلاك الذهب التي تشكّلت عبر قرون.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة: الفيدرالي يستطيع أن يغير مزاج الذهب، لكنه لا يستطيع أن يكتب تاريخه؛ قد يدفعه للهبوط على المدى القريب، لكن بعد أن ينتهي أثر القرار، يعود الذهب في النهاية إلى مواجهة الأسئلة الأكبر: ماذا يحدث للدولار؟ ماذا يحدث للتضخم؟ ماذا تفعل البنوك المركزية؟ إلى أين تتجه الديون؟ وهل الثقة بالنظام المالي ترتفع أم تتراجع؟

ولهذا عندما نقول إن الذهب بأيامه الأخيرة، لا نقصد أن الذهب نفسه يعيش أيامه الأخيرة، ولا أن رحلته التاريخية شارفت على النهاية.

نحن نتحدث عن شيء أكثر دقة: قد نكون أمام الأيام الأخيرة للتوازن السعري الحالي للذهب؛ لأن خلال أيام، سيدخل عامل قادر على إعادة تسعير المشهد على المدى القريب، وبعدها قد لا يعود السؤال: هل الذهب عند السعر نفسه؟

بل: أي ذهب سنرى بعد قرار الفائدة؟
 

 
المستشار عمر جاسم آل صياح
للمزيد تابعني على حسابي على منصة X  
@Omarsyyah

أحدث التعليقات

احسنت النشر
هدا تحليل او كتاب المؤلف الاب الغني و الاب الفقير تحليلك كله احتمال
قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.