الين الياباني وما وراء العملة... الجزء الثاني "المعضلة"

تم النشر 21/08/2026, 08:56

2- المعضلة... الاختلال بلغ مرحلة أصبح فيها الانعكاس أكثر احتمالًا من الاستمرار

لطالما احتفظ الين الياباني بمكانة فريدة؛ فهو عملة اقتصاد متقدم ودولة دائنة تمتلك واحدًا من أضخم مخزونات الأصول الخارجية في العالم، كما يتمتع بسوق مالية عميقة تجعل منه ملاذًا آمنًا عند وقوع الصدمات. غير أن الوظيفة الأهم للين، والتي تشكل مفتاح فهم المشهد الحالي، هي أنه ظل لعقود أهم عملة للتمويل الرخيص في العالم، بفضل أسعار الفائدة القريبة من الصفر.

اقترض المستثمرون بالين وضخوا الأموال في الأسهم والسندات والدولار واليورو والأسواق الناشئة، ليتحول الين من مجرد عملة يابانية إلى جزء أساسي من تكلفة التمويل التي بُنيت عليها مراكز مالية عالمية واسعة.

ولهذا السبب تحديدًا، لم يعد ضعف الين شأنًا يابانيًا خالصًا. فاستمرار هبوطه يضغط على طوكيو، بينما قد تؤدي قفزته المفاجئة إلى تفجير مراكز التمويل العالمية التي قامت على أساس ضعف العملة اليابانية.

معضلة طوكيو بين التضخم والدين

لم يعد ضعف العملة ميزة صافية لليابان. ورغم أنه يدعم تنافسية الصادرات وأرباح الشركات الخارجية عند تحويلها إلى الين، فإنه يرفع كلفة واردات الطاقة والغذاء، مما ينقل التضخم إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

وتظهر البيانات حجم هذا الضغط بوضوح؛ إذ ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الياباني بنسبة 7.2% على أساس سنوي في يوليو، بينما قفز مؤشر أسعار الواردات المقوم بالين بنسبة 29.1%.

في المقابل، لا يمتلك الاقتصاد الياباني المرونة الكافية لامتصاص تشديد نقدي حاد. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثاني بنسبة 0.3% على أساس فصلي، بما يعادل 1.1% على أساس سنوي، بالتزامن مع تراجع طفيف في الاستهلاك الخاص لأول مرة منذ عدة فصول.

وهنا تبرز معضلة بنك اليابان؛ فرفع الفائدة هو الأداة الطبيعية لدعم الين وكبح التضخم، لكنه يرفع كلفة التمويل في بلد يتجاوز دينه العام 200% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع قفزة عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى نحو 2.945% في 18 أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996، أصبحت خدمة الدين عبئًا يتزايد ثقله على الموازنة.

إبقاء الفائدة منخفضة يترك الين مكشوفًا ويغذي التضخم، بينما يؤدي رفعها إلى زيادة الضغوط على الموازنة. لذلك، يكتسب اجتماع بنك اليابان المقرر في 17 و18 سبتمبر أهمية بالغة، وسط ترجيحات برفع الفائدة من 1% إلى 1.25%، وبدء مرحلة تحول حقيقية يخرج فيها البنك المركزي من دور المتلقي للضغوط ليصبح فاعلًا يغير أساسيات التمويل الرخيص.

خيارات اليابان المتاحة تحت القيد الأمريكي

إذا كان رفع الفائدة يضغط على الموازنة الداخلية، تستطيع اليابان نظريًا دعم عملتها عبر تسييل جزء من أصولها الخارجية. لكن هذا الخيار يصطدم بتشابك المصالح مع واشنطن؛ إذ تمتلك طوكيو نحو 1.1 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية. وأي بيع واسع لهذه السندات لشراء الين سيضغط على أسعارها ويرفع عوائد الاقتراض الأمريكي في وقت حساس بالنسبة إلى واشنطن.

وتجد اليابان نفسها بالتالي أمام 3 مسارات مكلفة:

1- رفع الفائدة: ما يضغط على الموازنة والنشاط الاقتصادي وسوق السندات المحلية.

2- تسييل الأصول الخارجية: ما يضغط على سوق سندات الخزانة الأمريكية ويرفع عوائدها.

3- ترك الين يواصل الهبوط: ما يعمق التضخم المستورد ويفرض تدخلات أكثر حدة لاحقًا.

لكن المسار الرابع والأكثر خطورة هو السماح للين بالارتفاع السريع والمفاجئ.

فقد طال عصر الين الرخيص، وزاد الإقبال على صفقات تجارة الفائدة.

وتقدر بعض البنوك الكبرى، مثل جي بي مورغان الأمريكي ودويتشه بنك الألماني، حجم السيولة العالمية المرتبطة بعمليات تجارة الفائدة الممولة بالين بمتوسط يزيد على 3 تريليونات دولار.

وعندما يناقش صناع السياسة في بنك اليابان أو وزارة الخزانة الأمريكية مخاطر تفكيك صفقات تجارة الفائدة، فإن التركيز الأساسي ينصب على الكتلة الحرجة البالغة 1.0 إلى 1.5 تريليون دولار؛ إذ إن تصفيتها السريعة هي التي قد تتسبب في القفزات المفاجئة للين والاضطرابات الممتدة في الأسواق العالمية.

لكن العملية تعمل في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ فإذا ارتفع الين، سيضطر المستثمر المقترض به إلى إغلاق مركزه سريعًا تجنبًا لارتفاع تكلفة القرض، فيبيع الأصل العالمي الممول ويشتري الين.

وإذا حدث ذلك على نطاق واسع، ندخل في حلقة مفرغة.

فالارتفاع القوي والمفاجئ للين يؤدي إلى إغلاق صفقات تجارة الفائدة، ما يعني طلبًا إجباريًا قويًا على الين، وهو ما يغذي من ناحية تسارع ارتفاع العملة اليابانية، ومن ناحية أخرى يزيد سرعة الهبوط في الأصول والأسهم نتيجة ارتفاع المعروض الناتج عن إغلاق صفقات تجارة الفائدة، الأمر الذي قد يسبب حالة من الذعر نتيجة تزايد حدة التذبذب والتقلبات، ما يدفع إلى إغلاق مزيد من مراكز تجارة الفائدة وغيرها من المراكز الاستثمارية.

وهكذا تتحول قوة الين من علاج للاختلال إلى مصدر لاختلال أعمق، وهو كابوس لا تريده واشنطن، خصوصًا أن جزءًا من سيولة أسواقها ارتبط بتكلفة التمويل اليابانية.

وفي الوقت نفسه، لا تملك واشنطن رفاهية ترك الدولار يهبط بحرية أمام الين؛ لأن ضعف الدولار يرفع كلفة وارداتها ويغذي التضخم، مما قد يقيد مجلس الاحتياطي الفيدرالي ويجبره على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، ليتعرض سوق الأسهم الأمريكي لضربة مزدوجة من ارتفاع تكلفة رأس المال واختفاء جزء من سيولة صفقات تجارة الفائدة.

وهكذا تصبح كل الطرق المتطرفة مولدة لأزمات لدى الطرف الآخر.

الحل في «الصعود الناعم»

أمام هذه المصالح المتعارضة، يظهر الحل الوسط الوحيد في «الصعود الناعم» للين، أي تحريك العملة بأسلوب منظم وتدريجي بعيدًا عن مستويات الضعف الحاد، نحو مناطق 130–140 ينًا للدولار على المدى الأبعد، بدلًا من مستويات 160.

فالفكرة ليست في الرقم بحد ذاته، بل في سرعة الحركة؛ إذ إن الارتفاع المفاجئ يحول الين إلى هدف للمضاربين، بينما يتيح الارتفاع المنظم لليابان تطبيع سياستها النقدية، كما يمنح الأسواق وقتًا لإعادة تسعير تكلفة التمويل دون صدمات.

ويفسر هذا الطرح طبيعة التدخلات الأخيرة في 31 يوليو، عندما تدخلت وزارة الخزانة الأمريكية لشراء الين عبر بيع اليورو بواسطة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، في أول تدخل مباشر منذ 2011، تنفيذًا لمقترح يقضي بشراء ما بين 5 و10 مليارات دولار، مما دفع زوج الدولار مقابل الين إلى الهبوط من مستويات 164 إلى نطاق 156–157.

ويعكس اختيار اليورو رغبة واشنطن في دعم الين دون إظهار الخطوة باعتبارها محاولة مباشرة لإضعاف الدولار.

كما دفعت واشنطن باتجاه توسيع استخدام آلية إعادة الشراء التابعة لمرفق النقد الأجنبي، لتمكين طوكيو من الحصول على سيولة دولارية بضمان سندات الخزانة التي تمتلكها، بدلًا من بيعها مباشرة في السوق.

وجاءت تصريحات سكوت بيسنت مؤكدة أن الولايات المتحدة ستفعل «كل ما يلزم» لدعم استقرار اليابان، حمايةً للمصلحة الأمريكية ومنعًا للتخفيضات التنافسية للعملة.

وتظل هذه فرضية تحت الاختبار؛ فالتدخل وحده لا يلغي فارق الفائدة الضخم، وستقيس الأسواق حقيقة هذا الاتجاه من خلال سلوك عدة مؤشرات متداخلة:

  • الصعود الناعم: يظهر في صعود تدريجي للين، ورفع منظم لأسعار الفائدة اليابانية، وارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية، وتراجع التضخم المستورد، دون قفزات في مؤشر تقلبات الأسهم أو تصفيات حادة.

  • الانفكاك الفوضوي: يظهر في قفزة سريعة للين، وهبوط حاد للأسهم العالمية، وارتفاع التقلبات، وتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.

  • العجز: إذا بقي زوج الدولار مقابل الين قرب مستوى 160 مع تردد بنك اليابان، فهذا يعني أن فارق العوائد لا يزال يتغلب على محاولات إدارة سعر الصرف.

  • الخطر الهيكلي: إذا هبط الين بالتزامن مع هبوط الأسهم وصعود الذهب والفرنك السويسري، فهذا يعني هروب المستثمرين من المخاطر، مع اعتبار اليابان نفسها مصدرًا لها.

وعليه، فإن ارتفاع الين، سواء ارتفع ببطء وبصورة ناعمة أو ارتفع بعنف وتسارع، أصبح أكثر احتمالًا من «السماح» بانخفاضه.

ارتفاعه ببطء هو بداية إعادة توازن تحتاج إليها طوكيو وواشنطن والأسواق العالمية، بينما قد يكون ارتفاعه بعنف فصلًا في أزمة مالية قادمة أو قائمة بالفعل.

فالين الذي أمد العالم بالتمويل الرخيص لعقود يبدأ اليوم رحلته العكسية، ليصبح تحركه مؤشرًا حقيقيًا على الاتجاه الذي قد تقوده واشنطن في إطار إعادة هيكلة السيولة العالمية.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.