تصريحات ترامب تضع مضيق هرمز وأسعار النفط تحت المجهر
تدخل الفضة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما نجحت خلال الفترة الماضية في تسجيل مكاسب قوية أعادت المعدن إلى صدارة اهتمام المستثمرين والأسواق. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الحالية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات النقدية والاقتصادية والاستثمارية، يتقدمها مسار أسعار الفائدة الأمريكية، وتحركات الدولار، والطلب الصناعي، ونقص المعروض، وتدفقات الاستثمار. لذلك أرى أن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت الفضة قادرة على مواصلة الصعود، وإنما ما إذا كانت الظروف الحالية تسمح بامتداد الموجة الصعودية دون تصحيح سعري عميق.
وفي مقدمة العوامل الداعمة للفضة يأتي الدولار الأمريكي ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. ومن وجهة نظري، فإن أي تحول أكثر مرونة في لهجة الفيدرالي، بالتزامن مع تراجع التضخم أو ضعف بيانات النشاط الاقتصادي، سيكون محفزًا مهمًا للفضة، لأنه قد يؤدي إلى انخفاض العوائد الحقيقية وتراجع الدولار، وهما عاملان يصبان عادة في مصلحة المعادن الثمينة. وفي المقابل، فإن عودة الضغوط التضخمية وارتفاع توقعات الفائدة لفترة أطول قد تفرض سقفًا على صعود الفضة وتدفع المستثمرين إلى جني الأرباح.
وتكتسب بيانات التضخم الأمريكية أهمية استثنائية في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي مفاجأة في مؤشرات الأسعار. وبرأيي، فإن القراءة التي تؤكد استمرار تباطؤ التضخم ستكون أكثر أهمية من مجرد قراءة إيجابية مؤقتة، لأنها ستدعم فكرة انتقال السياسة النقدية تدريجيًا نحو بيئة أكثر ملاءمة للأصول غير المدرة للعائد. وفي هذه الحالة، يمكن أن تستعيد الفضة زخمها بسرعة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ضعف الدولار وزيادة تدفقات الاستثمار إلى المعادن الثمينة.
لكن قوة قصة الفضة لا تعتمد على السياسة النقدية وحدها. فالجانب الأكثر أهمية على المدى المتوسط يتمثل في المعادلة بين العرض والطلب. كما تشير الاحصاءات والبيانات إلى استمرار العجز في سوق الفضة، وهو ما يعكس فجوة بين الإنتاج والاستهلاك. ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذا العجز لسنوات متتالية يمثل عنصر دعم هيكلي للسعر، خصوصًا إذا تزامن مع تراجع المخزونات المتاحة وارتفاع الطلب الاستثماري. ومع ذلك، لا أرى أن العجز وحده يكفي لتبرير ارتفاعات مفتوحة، لأن السعر المرتفع نفسه قد يدفع المستهلكين الصناعيين إلى تقليل استخدام الفضة أو البحث عن بدائل.
وهنا تظهر نقطة أعتبرها بالغة الأهمية في تقييم مستقبل المعدن، وهي قطاع الطاقة الشمسية. صحيح أن توسع الطاقة الشمسية يمثل محركًا طويل الأجل للطلب على الفضة، إلا أن الصناعة تتجه بصورة متزايدة إلى تقليل كمية الفضة المستخدمة في الخلايا، إضافة إلى تطوير تقنيات وبدائل تقلل الاعتماد على المعدن. ولذلك أرى أن العلاقة بين نمو الطاقة الشمسية والطلب على الفضة لم تعد خطية كما كانت في السابق، وهو عامل قد يحد من قوة النمو الصناعي في الطلب رغم استمرار توسع الطاقة المتجددة.
في المقابل، أرى أن صعود قطاعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والإلكترونيات والسيارات والبنية التحتية الكهربائية يوفر دعمًا متزايدًا للطلب على الفضة. فالمعدن يتمتع بخصائص كهربائية لا تزال تجعله عنصرًا مهمًا في العديد من التطبيقات عالية التقنية. ومن وجهة نظري، قد يصبح هذا الطلب أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الاستثمارات العالمية في شبكات الكهرباء ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية بوتيرة قوية.
أما الاستثمار المالي والمادي، فأراه أحد أهم المتغيرات القادرة على تسريع حركة الأسعار. فإذا ارتفع إقبال المستثمرين على العملات والمعادن الثمينة كوسيلة للتحوط من التضخم والمخاطر الجيوسياسية وضعف العملات، فإن الطلب الاستثماري يمكن أن يضيف ضغطًا جديدًا على سوق يعاني أصلًا من محدودية المعروض. وفي رأيي، فإن اجتماع العجز المادي مع تدفقات استثمارية قوية يمثل السيناريو الأكثر إيجابية للفضة، وقد يؤدي إلى تحركات سعرية تتجاوز ما تشير إليه أساسيات الطلب الصناعي وحدها.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن وجهة نظري تميل إلى الإيجابية تجاه الفضة على المدى المتوسط والطويل، لكنني لا أرى أن الطريق أمامها سيكون مستقيمًا. ارتفاع السعر خلال الفترة الماضية يجعل احتمالات التصحيح وجني الأرباح مرتفعة، خصوصًا إذا ارتفع الدولار أو عادت العوائد الحقيقية للصعود. لذلك أعتقد أن التصحيحات، في حال حدوثها، لا تعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد، بل قد تمثل إعادة تموضع للسوق قبل محاولة جديدة لاختبار مستويات أعلى.
وخلاصة رؤيتي أن الفضة تقف أمام معادلة أساسية ما زالت داعمة، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا. استمرار ضعف الدولار وتراجع العوائد الحقيقية، إلى جانب العجز الهيكلي وارتفاع الاستثمار، قد يفتح الباب أمام موجة صعود جديدة، بينما يمثل تباطؤ الطلب الصناعي وارتفاع استخدام البدائل والمبالغة في التقييم أبرز المخاطر. لذلك أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط مع ارتفاع مستوى التقلب، وأن قدرة الفضة على تجاوز قممها السابقة ستعتمد في النهاية على اجتماع ثلاثة عوامل: ضعف الدولار، تزايد الطلب الاستثماري، واستمرار عجز المعروض عن مواكبة الطلب العالمي.










