إن الذكاء الاصطناعي والسباق المحموم عليه والمنافسة الشرسة في مختلف قطاعاته لم يعد محصوراً في مختبرات التكنولوجيا أو شاشات الحواسيب، بل بدأ يمتد إلى جيوب المستهلكين، في مفارقة تكشف وجهاً أقل بريقاً للثورة التقنية التي وُعد العالم بأنها ستخفض التكاليف وترفع الإنتاجية وتسهّل الحياة، فبينما تتسابق أكبر شركات التكنولوجيا على بناء مراكز بيانات عملاقة، وشراء الرقائق المتقدمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، تتزايد الضغوط على سلاسل إمداد المكونات الإلكترونية، لتجد الهواتف والحواسيب التقليدية نفسها في مواجهة فاتورة إنتاج أعلى، حتى إن مشتري جهاز لا يحمل مزايا والتقنيات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، قد يتحمل أيضًا جزءاً من تكلفة تطويره.
لا تكمن المفارقة في أن التكنولوجيا أصبحت أكثر تطوراً فحسب، بل في أن الاستثمار المكثف لتطويرها بات يزاحم صناعات أخرى على الموارد نفسها، وينقل جزءاً من كلفته إلى المستهلك النهائي، في وقت لا تزال فيه شركات التكنولوجيا تسوّق الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض النفقات وتحسين الكفاءة.
“تريليون دولار” لإعادة تشكيل البنية التكنولوجية..
بلغ السباق الاستثماري مستويات غير مسبوقة؛ إذ قدّر بنك «غولدمان ساكس»، أن الاستثمارات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستتجاوز “تريليون دولار” خلال 2026، فيما يُتوقع أن تصل النفقات الرأسمالية لشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، المعروفة بمشغلي الحوسبة السحابية فائقة النطاق، إلى نحو (800 مليار دولار) هذا العام، وتشمل هذه الاستثمارات إنشاء مراكز بيانات، وشراء الخوادم والمعالجات المتخصصة، وتطوير شبكات الطاقة والتبريد اللازمة لتشغيلها.
وتكشف تقديرات “وكالة الطاقة الدولية” حجم التحول، إذ تجاوزت النفقات الرأسمالية لأكبر شركات التكنولوجيا (400 مليار دولار) في 2025، مع توقع زيادتها بنحو (75%) خلال 2026، كما ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات العالمية (17%) خلال 2025، بينما قفز استهلاك المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي 50%.
وتوقعت الوكالة، أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء تقريباً بين 2025 و2030، من (485 إلى 950 تيراواط/ساعة)، هذه الأرقام لا تعكس مجرد توسع في قطاع تقني، بل إعادة توجيه واسعة لرؤوس الأموال والموارد الصناعية نحو بنية تحتية باتت الشركات تعتبرها أساس المنافسة المستقبلية.
بين نهم مراكز البيانات واحتياجات المستهلكين..
تظهر الحلقة الأكثر مباشرة في (سوق أشباه الموصلات والذاكرة)، فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، وهي نوع متطور من ذاكرة أشباه الموصلات، صُمم لنقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة بين الذاكرة والمعالجات، خصوصاً معالجات الرسوميات (GPU) المستخدمة في تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ذاكرة الخوادم المتقدمة، بينما تعتمد الهواتف والحواسيب على أنواع أخرى من الذاكرة، أبرزها DRAM وNAND، ورغم اختلاف المواصفات والاستخدامات، تتنافس هذه المنتجات على قدرات تصنيع محدودة واستثمارات ومرافق إنتاج مشتركة.
وبحسب “مؤسسة البيانات الدولية” «IDC» لأبحاث سوق التكنولوجيا، أعاد كبار المصنعين توجيه جزء من طاقتهم الإنتاجية واستثماراتهم نحو ذاكرة الخوادم الأعلى ربحية، على حساب التوسع في الذاكرة التقليدية المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية، وقدّرت المؤسسة أن نمو المعروض العالمي من (DRAM وNAND) سيبلغ (16% و17%) على التوالي خلال 2026، وهي مستويات دون المعدلات التاريخية المعتادة.
وتكمن المشكلة في أن الذاكرة ليست مكوناً هامشياً؛ إذ تمثل نحو (15% إلى 20%) من تكلفة مكونات الهاتف متوسط الفئة، وفق تقديرات “IDC”، ما يجعل ارتفاع أسعارها مؤثراً مباشرة في تكلفة التصنيع، وعندما تتقلص الإمدادات وترتفع أسعار التوريد، تجد الشركات المصنعة نفسها أمام خيارات صعبة.. تحمل جزء من التكلفة على حساب هوامش الربح، أو رفع أسعار الأجهزة، أو تقليص المواصفات، أو تأجيل إطلاق بعض الطرازات.
فاتورة السباق التقني..المستهلك يدفع الثمن..
بدأت انعكاسات هذه الضغوط تظهر في توقعات السوق، فقد رجحت “IDC” في “أغسطس 2026″، ارتفاع متوسط سعر بيع الهاتف الذكي عالمياً إلى (581 دولاراً) خلال العام، بزيادة (27.6%)، بالتزامن مع توقع تراجع الشحنات العالمية (16.7%) إلى ما يزيد قليلاً على (مليار جهاز)، وفي المقابل، قدّرت «جارتنر»، وهي شركة أميركية متخصصة في الأبحاث والاستشارات وتحليل الأسواق، مع تركيز كبير على قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي في فبراير، أن ارتفاع تكاليف الذاكرة ووسائط التخزين قد يدفع أسعار الحواسيب إلى الزيادة (17%) والهواتف (13%) خلال 2026 مقارنة بالعام السابق.
ولا تتوقف التداعيات عند الهواتف؛ فالحواسيب الشخصية، والأجهزة اللوحية، ووحدات التخزين، تتعرض للضغوط نفسها، بينما قد تمتد آثار التوسع في مراكز البيانات إلى تكاليف الكهرباء والبنية التحتية، خصوصاً في الأسواق التي تواجه قيوداً في إمدادات الطاقة، ومع ذلك، لا يعني ذلك أن “الذكاء الاصطناعي” أصبح المحرك الوحيد للتضخم؛ فـ”سعر الصرف”، و”الشحن”، و”الطاقة”، و”الرسوم التجارية”، و”دورات سوق أشباه الموصلات” والتقلبات الدورية التي يمر بها، كلها عوامل أخرى تتداخل في تحديد السعر النهائي.
وهكذا، تتحول التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تجعل الخدمات والسلع أقل تكلفة، إلى مصدر جديد لضغوط الأسعار، وكل هذا حدث عندما سبق الطلب على البنيات التحتية وتطويرها قدرة الصناعة على التوسع، والمفارقة أن المستهلك لا يدفع فقط مقابل الجهاز الذي يشتريه، بل قد يتحمل بصورة غير مباشرة جانباً من تكلفة سباق عالمي لا يشارك في قراراته، ولا يملك رفاهية الانسحاب من نتائجه.










