لم تكن جلسة الخميس 5 نوفمبر مجرد يوم أحمر عابر في الأسواق الأمريكية، بل واحدة من أعنف جلسات البيع منذ أبريل 2025، بعدما تحولت نشوة الأسواق بنتائج الانتخابات النصفية الأمريكية إلى موجة قلق واسعة قادتها أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
الأرقام كانت قاسية؛ فقد تراجع مؤشر ناسداك المركب بنسبة 5.5% ليغلق عند 24,315 نقطة، وهبط مؤشر S&P 500 بنسبة 4.4% إلى 7,353.73 نقطة، فيما خسر داو جونز 1,833 نقطة، بما يعادل 3.4%، ليغلق عند 51,523.06 نقطة. أما مؤشر راسل 2000 فتراجع 4.4% إلى 2,729.89 نقطة. وبذلك محا السوق مكاسب الجلسة السابقة، وفقدت الشركات المدرجة في S&P 500 نحو 2.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية.
لكن هل نحن أمام بداية انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
هناك ثلاثة عوامل تفسر موجة البيع. أولها القلق المتزايد من الإنفاق الرأسمالي الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى، التي تضخ مئات المليارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، بينما لا تزال الأسواق تبحث عن عوائد تتناسب مع حجم هذه الاستثمارات.
وثانيها النتائج التشغيلية المتباينة؛ فقد تراجع سهم Qualcomm بعد إخفاق مبيعات رقائق الهواتف في تلبية التوقعات، وهبط سهم Dell بنحو 10.5%، في حين تراجعت أسهم شركات أخرى مرتبطة ببنية الذكاء الاصطناعي. وهذا يعيد التذكير بأن نمو الطلب على التكنولوجيا لا يعني بالضرورة ارتفاع أرباح جميع الشركات العاملة فيها.
الانتخابات الأمريكية.. هل تنتقل السيولة من التكنولوجيا إلى الطاقة النظيفة؟
العامل الثالث سياسي بامتياز. فسيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة على التوسع في مراكز البيانات، خصوصاً فيما يتعلق باستهلاك الكهرباء والمياه والتأثير البيئي، إلى جانب احتمالات زيادة الاهتمام بالحوافز الحكومية للطاقة المتجددة.
وكانت الأسواق قد أظهرت هذا التحول بوضوح في جلسة الأربعاء 4 نوفمبر؛ إذ ارتفع سهم First Solar بنسبة 8.4%، وSunrun بنسبة 6.9%، وEnphase Energy بنسبة 8.8%، وفق بيانات رويترز. وفي المقابل تعرضت شركات تشغيل مراكز البيانات لضغوط.
لكن هذا لا يعني أن الديمقراطيين قرروا التضحية بالتكنولوجيا لصالح الطاقة النظيفة؛ فالذكاء الاصطناعي يمثل أولوية اقتصادية واستراتيجية أمريكية، والسيناريو الأقرب هو زيادة تكلفة التوسع وفرض رقابة أكبر، وليس إيقاف السباق.
هل حان وقت التخارج؟
التمييز هنا ضروري بين الشركات التي تحقق أرباحاً وتدفقات نقدية قوية، وتلك التي تعتمد تقييماتها على وعود مستقبلية. فالتصحيح قد يكون فرصة لإعادة تقييم الأسعار، لكنه قد يكشف أيضاً عن شركات بالغت في تقدير قدرتها على تحويل الإنفاق إلى أرباح.
ولا يمكن تجاهل أن ناسداك دخل منطقة التصحيح بعد تراجعه بأكثر من 10% من قمته القياسية، ما يجعل التقلبات مرشحة للاستمرار، خصوصاً مع مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.
الخلاصة:
لا يبدو أن ثورة الذكاء الاصطناعي انتهت، لكن مرحلة التسعير السهل انتهت على الأقل مؤقتاً. المطلوب ليس التخارج الجماعي ولا الشراء بدافع الخوف من فوات الفرصة، بل الانتقائية، ومراقبة الأرباح والتدفقات النقدية والتقييمات. والأهم تجنب الرافعة المالية؛ لأن السوق قد يعاقب المستثمر الذي يسبق الأحداث أكثر مما يكافئ المستثمر الذي يصبر عليها.










