خلال الأيام السبعة الماضية، تسبب حدثين كبيرين جداً على الجبهة الجيوسياسية في ترك المستثمرين في مجال الطاقة في حيرة من أمرهم، الأول جاء من الولايات المتحدة، والثاني من الشرق الأوسط.
ففي أول هذين الحدثين، قرر الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) سحب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس المناخية. وفي أعقاب الإعلان عن هذا القرار يوم 1 حزيران/يونيو، تراجعت أسعار النفط، وهو ما رأه البعض على أنه رد فعل على هذا القرار تحديداً. لكن في الحقيقة، لا ينبغي أن يكون لقرار (ترامب) أي تأثير ملموس على أسعار النفط على المدى القصير. فالطلب الأمريكي على النفط لن يرتفع نتيجة لهذا القرار، لأن الولايات المتحدة لديها قوانين ذات أهمية، تفرض معايير صارمة لكفاءة الوقود، وتحد منالاستخدامات الأخرى للوقود الأحفوري.
قديشير قرار ترامب إلى الرغبة في السماح بالمزيد من عمليات الحفر لإستخراج النفط والغاز على الأراضي الأمريكية، ولكن من المفروض أن يأثر ذلك على الأسواق على المدى الطويل، وليسعلى المدى القصير. إلا انه بالنسبة لأسواق الأسهم، كان هذا القرار مجرد مؤشر آخر على أن الحكومة الأمريكية ربما تكون في طور الإستعداد لتخفيض الحوافز والإعانات والمنح والإعفاءات الضريبيةالتي تمتعت بها شركات الطاقة "الخضراء" لأكثر من عقد من الزمان.
وفيالحدث الثاني، وفي وقت مبكر من صباح الاثنين 5 حزيران/يونيو، قطعت كل من السعودية والبحرين والإماراتالعربية المتحدة ومصر علاقاتها الدبلوماسية والعديد من العلاقات التجارية مع دولة قطر المجاورة. لقد إتخذت هذه الدول موقفاً ضد ما وصفه الإعلام السعودي الرسمي بـ "احتضان" جماعاتإرهابية وطائفية متعددة تهدف إلى الإخلال بالاستقرار في المنطقة، بما في ذلكجماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة (أنكرت قطر ان يكون لها صلات مع الجماعات الإرهابية، لكنها لم تنكر انها دفعت لمجموعة تابعة لتنظيم القاعدة، ومجموعة إيرانية مسلحة، مقابل رهائن قطريين كانوا محتجزين في كل من سورياوالعراق).
بعد الأعلان عن هذا القرار، إرتفعت العقود الآجلة للنفط فوراً، لكنها فقدت الزخم بسرعة وعادت لتتراجع. وتضمنت ردود الفعل الأولية من المحللين الدوليين التحذيرات بأن قطر سوف تعلن الحرب على المملكة العربية السعودية، وأن قطر ستغادر منظمة (أوبك)، وأن قطر سوف تنجذب نحو إيران، وهي أمور سيتسبب أي منها في خلق المزيد من التوتر في الشرق الأوسط. ستؤدي جميع هذه السيناريوهات الكارثية إلى رفع مستوى عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ولكن لا يوجد بينها سيناريو مرجح الحدوث.
لا يمكن لقطر أن تعلن الحرب ضد السعودية، لأنها تفتقر إلى القوة العسكرية من أفراد الجيش، والمعدات، ولأنها لا تستطيع عبور الصحراء. كذلك، لا تستطيع قطر أن تترك منظمة (أوبك)، لأن قطر هي منتج صغير للنفط، وستفقد كل النفوذ والفوائد المتحققة من كونها جزءاً من هذه المنظمة (رغم صغرها في عالم إنتاج النفط، إلا أن قطر تُعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال). وبالاضافةالى ذلك، فإن التاريخ يقول أن دول منظمة (أوبك) قد حافظت دائماً على إرتباطها بهذه المجموعة، حتى في أوقات الصراعات السياسية أو الدبلوماسية الكبرى فيما بينها، بما في ذلك الحروب. يمكن لقطر أن تحسن من علاقاتها مع إيران، ولكن أمير قطر يمكنه أن يرى أسباباً تدعو للحذر في ذلك، على هيئة ما حصل في سوريا واليمن، حيث أصبحت كلا هاتين الدولتين حالياً مسرحاً لحروب إيرانية بالوكالة.
إن الهدف من القرار الذي اتخذته هذه الدول العربية الأربعة هو عزل دولة قطر،وأن يتسبب ذلك العزل في ان تقوم قطر بإصلاحات ستؤدي إلى زيادة الاستقرار في المنطقة. تستخدم هذه الدول ضغوطاً اقتصادية ودبلوماسية، كما تفعل الامم المتحدة عندما تفرض عقوبات على الدول التي تخرق القوانين. ومنالمرجح أن يكون تأثير هذا القرار على صناعة النفط والغاز في قطر في أدنى مستوياته، وأن يكون محصوراً ببعض قضايا التزويد بالوقود التحميل لعدد من الناقلات الصغيرة في الخليج العربي. إن من سيعاني فعلاً من هذا القرار هو شعب قطر، والذي يحصل على 40٪ من طعامه من المملكة العربية السعودية، وكذلك الشركات القطرية، مثل الخطوط الجوية. وقد يدفع هذا الضغط الأمير إلى تشديد ما كان يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه موقف متراخي من قطر تجاه المنظمات الإرهابية.