مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
الأسواق المالية في مفترق طرق: بين انفراجة تجارية وقلق تضخمي
في لحظة يبدو فيها أن الزمن الاقتصادي يتباطأ ليلتقط أنفاسه، تعيش الأسواق المالية العالمية هذا الأسبوع واحدة من أكثر فتراتها حساسية وتشابكًا منذ بداية العام. لا صوت يعلو على ترقب بيانات التضخم الأمريكية، في وقت تداخلت فيه المعطيات التجارية والجيوسياسية والنقدية لتشكّل مشهدًا معقّدًا، يستوجب قراءة دقيقة لما يجري.
فالعالم لا يراقب الأرقام فقط، بل يترصّد النوايا خلفها، ويتتبع الإشارات قبل القرارات.
انفراجة تجارية مؤقتة... أم إعادة تموضع؟
في خطوة كانت مفاجئة بحجم وقعها على الأسواق، أعلن البيت الأبيض رسميًا التوصل إلى اتفاق تجاري مؤقت مع الصين، يتضمّن خفضًا متبادلًا للرسوم الجمركية، أبرزها تقليص الصين لتعريفاتها من 125% إلى 10% لمدة 90 يومًا. القرار أتى بعد شهور من المفاوضات التي كانت أقرب إلى الشطرنج السياسي منه إلى الحوار الاقتصادي.
ردّة فعل السوق لم تتأخر، إذ سجلت أسعار النفط ارتفاعًا بأكثر من 3%، مدفوعة بتوقعات بتحسن الطلب العالمي على الخام، لا سيما من القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم. في المقابل، تراجع الذهب بنسبة 2.8%، ليصل إلى 3251 دولارًا للأونصة، في ظل انسحاب تدريجي من الملاذات الآمنة نحو الأصول ذات العوائد الأعلى، وهو ما يعكس تحسّنًا مرحليًا في شهية المخاطرة.
وول ستريت: صعود على أكتاف التفاؤل المؤقت
في قلب وول ستريت، حيث تُرسم ملامح الاتجاهات العالمية، كانت الجلسة الختامية ليوم الإثنين أشبه برقصة على حافة التوازن. فقد أغلقت المؤشرات الأمريكية على ارتفاع جماعي، مع تقدّم مؤشر ناسداك بأكثر من 1.2%، مدعومًا بأخبار الاتفاق الأمريكي الصيني، وبالإعلان عن توقيع صفقة تجارية "استثنائية" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
لكن خلف هذا التفاؤل تكمن حقائق أكثر تعقيدًا. فالاتفاقات التجارية، مهما بدت مُطمئنة، لا تمحو آثار الركود الذي يلوّح من بعيد، ولا تُخفي قلق الأسواق من التوجهات النقدية للبنوك المركزية.
السياسة النقدية الأمريكية: باول تحت الضغط والنيران
لا تزال السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي هي حجر الزاوية في كل تحليل مالي هذه الأيام. ففي خضم ارتفاع التضخم وعدم وضوح التوظيف، قرر الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة، مُفضّلًا نهج "الانتظار والترقب". غير أن هذا القرار لم يمر دون ضجيج سياسي، إذ وصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رئيس الفيدرالي جيروم باول بـ"الأحمق"، في واحدة من أشد العبارات لهجة تجاه مؤسسة يفترض أنها مستقلة.
هذا التوتر، الذي بدأ كمجرد اختلاف في الرؤى، بات اليوم أحد العوامل المؤثرة في حركة السوق. فالمستثمر لا يقرأ فقط ما يفعله البنك المركزي، بل يقرأ أيضًا ما يُقال عنه.
الذهب والدولار والين... تحوّلات غير تقليدية
مع تراجع الذهب بشكل حاد، وارتفاع مؤشر قوة الدولار الأمريكي بنسبة 0.5%، وتراجع الين الياباني – الملاذ الآمن التقليدي – يمكن القول إن السوق بات يُعيد تشكيل خريطته في ظل الظروف الجديدة. لم تعد الملاذات الكلاسيكية تُلهم المستثمرين كما في السابق، بل باتت الأسواق تبحث عن مزيج معقّد من العائد والأمان، وسط بيئة محفوفة بعدم اليقين.
الحدث الحاسم: بيانات التضخم المنتظرة
كل الأنظار تتجه إلى تقرير مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي (CPI) المنتظر صدوره مساء اليوم. الأرقام المتوقعة تشير إلى زيادة شهرية معتدلة، لكن أي مفاجأة صعودية قد تُربك حسابات الفيدرالي وتُعيد سيناريو التشديد النقدي إلى الواجهة. في المقابل، قراءة أضعف من المتوقع قد تدفع السوق لتسعير أول خفض للفائدة في النصف الثاني من العام.
البيانات هذه المرة لا تعني الأسواق فقط، بل تعني السياسات، التوجهات، وربما التحوّلات الكبرى في توجهات السيولة العالمية.
توصيات وتوقعات
في حال جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع:
-
قد نشهد ارتفاعًا في عوائد السندات وانخفاضًا في الأسهم والذهب.
-
الدولار سيُواصل صعوده، والضغط على العملات المقابلة سيتزايد.
-
الأسواق الناشئة ستكون أكثر عرضة للتقلب.
في حال جاءت البيانات أقل من المتوقع:
-
قد يعود الذهب إلى الصعود المؤقت.
-
الأسهم الأمريكية ستلتقط إشارات إيجابية، خاصة قطاعات التكنولوجيا والعقارات.
-
الدولار قد يتراجع بشكل طفيف، مع تحسّن شهية المخاطرة.
خاتمة: ما بين الخطوة والتأويل
الأسواق المالية لا تتحرّك على وقع الأحداث فقط، بل على وقع التفسير الذي تُمنحه لتلك الأحداث.
في هذا الأسبوع، نعيش فصلًا دقيقًا من التداخل بين الواقع والتوقعات، بين التفاؤل المرحلي والانتباه الحذر.
القراءة الذكية للسوق اليوم لا تكتفي بمراقبة الشموع على الشارت، بل تفتّش في ما بين السطور، في لغة الخطاب النقدي، وفي نبرة المتحدث قبل كلماته.
ومع اقتراب لحظة الحقيقة مساء اليوم مع صدور بيانات التضخم، يبقى السوق في حالة استعداد... لأن الرقم القادم قد لا يُحرّك الأسعار فقط، بل قد يُعيد رسم مزاج المستثمرين بالكامل.
