مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
في صباح الثلاثاء الآسيوي، وبينما كانت شاشات التداول تفتح على مؤشرات مختلطة، مرّت أخبار الأسواق كنسيمٍ عابر على العقول المرهقة للتجار، لكن العقول اليقظة من بينهم التقطت النبأ: "الذهب يستقر عند أدنى مستوياته في أكثر من أسبوع"، وسط تحوّل مفاجئ في شهية المستثمرين للمخاطرة، مدفوعًا باتفاق تجاري مؤقت بين عملاقي الاقتصاد العالمي، الولايات المتحدة والصين. ورغم أن الرقم 3230.99 دولارًا للأونصة لا يزال كبيرًا، إلا أن السوق قرأه كإشارة خفوت في بريق الملاذ الآمن الأول.
لكن ماذا يعني أن يُقابِل الذهب – الذي كان ولا يزال مرآة الرعب والأمان – هذا المصير على خلفية اتفاقٍ جمركي هش؟ هل أصبح الذهب ضحية للعبة سياسية تجارية لا تخلو من البروباغندا؟ أم أن هذا التراجع اللحظي هو مجرد انعكاس زمني لسيكولوجيا السوق في لحظة تضخم البيانات وتضاؤل الرؤية؟
في هذا العدد الخاص من "المال والأعمال العالمية"، نفتح الملفات الكبرى التي ترسم ملامح المشهد: التفاهم الجمركي الأميركي الصيني، تحولات شهية المخاطرة، سيكولوجيا الذهب، ومآلات المرحلة المقبلة في أسواق المعادن والأسهم والعملات.أولاً: الذهب لا يمرض... لكنه يرتجف
منذ نشأته كعملة أولى وأداة تبادل وكنز للثروة، لم يعرف الذهب تراجعًا حقيقيًا في مكانته. لكن ما يعرفه جيدًا هو الارتجاج الموسمي الذي يضربه كلما انفرجت أزمة أو تبددت سحابة. في الجلسة السابقة لتعاملات الثلاثاء، انخفض الذهب بنسبة 2.7%، وهو التراجع الأكبر في أسبوع واحد منذ بداية الربع الثاني من العام.
وفي جلسة الثلاثاء ذاتها، استقر في المعاملات الفورية عند 3230.99 دولارًا للأونصة، فيما سجلت العقود الأميركية الآجلة ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.2% إلى 3235.20 دولار، بحسب بيانات "رويترز".
رغم هدوء هذه التحركات نسبيًا، إلا أن الرسالة كانت واضحة: حالة الترقب لا تزال مسيطرة، والذهب بانتظار ما ستقوله السياسة الأميركية في تقرير مؤشر أسعار المستهلكين. إنه أشبه بطائر جريح يتوقف عن الطيران لا لأنه مات، بل لأنه يُحسن الإنصات لما يدور حوله.ثانيًا: اتفاق مؤقت أم هدنة استراتيجية؟
خلال يومين من المفاوضات الماراثونية في جنيف، توصلت واشنطن وبكين إلى تفاهم يقضي بتقليص الرسوم الجمركية المتبادلة لثلاثة أشهر. وبحسب ما تم الإعلان عنه:
انخفضت الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الصينية من 145% إلى 30%.
فيما خفضت الصين الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية من 125% إلى 10%.
هذا الاتفاق، الذي تزامن مع إعلانات إيجابية في أسواق الأسهم العالمية، أدى إلى تحفيز شهية المخاطرة، وهو ما يُترجم إلى تراجع في الطلب على الأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب. لكن المتابع الحصيف يدرك أن هذه الأرقام رغم ضخامتها، ليست إلا أرقامًا مؤقتة على ورق اتفاق هش.
الأسواق، التي تلهث دائمًا خلف الاستقرار، قرأت هذا الاتفاق قراءةً سطحية: “الصين وأميركا تتفقان، إذن لا حرب تجارية”. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالحرب لم تنتهِ، بل جُمِّدت مؤقتًا، ووُضعت على طاولة الشطرنج مجددًا.
الصين لا تثق كليًا في مواقف الإدارة الأميركية، والولايات المتحدة تدرك جيدًا أن سياسة الرسوم الجمركية هي أداة ضغط وليست فقط أداة ردع. ولذلك، فإن هذا الاتفاق هو أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى اتفاق استراتيجي شامل.ثالثًا: أسواق المعادن الثمينة... قراءة متعددة الطبقات
رغم أن الذهب كان نجم المشهد، إلا أن المعادن النفيسة الأخرى أظهرت سلوكًا متباينًا:
الفضة ارتفعت 0.6% إلى 32.78 دولارًا للأونصة.
البلاتين صعد بنسبة 0.8% إلى 982.70 دولارًا.
البلاديوم تراجع 0.4% إلى 942.19 دولارًا.
هذه التحركات لا تُقرأ فقط من منظور العرض والطلب، بل من زاوية التوازن بين المخاطرة والتحوط، حيث تمثل الفضة والبلاتين أدوات موازنة في المحافظ الاستثمارية، فيما يعاني البلاديوم من تباطؤ في الطلب الصناعي، خاصة في قطاع السيارات.رابعًا: مؤشرات التضخم الأميركية... سيف ديموقليس فوق عنق السوق
بينما تتحرك الأسواق بناءً على العناوين، فإن اللاعب الحقيقي الذي ينتظره الجميع بصمت ثقيل هو تقرير مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي، المزمع صدوره في وقت لاحق من الثلاثاء.
هذا التقرير سيقدم مؤشرات بالغة الأهمية حول اتجاهات التضخم في أكبر اقتصاد في العالم، وبالتالي، مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي).
فإذا ما جاءت الأرقام مرتفعة، فإن الفيدرالي قد يجد نفسه مضطرًا إلى تشديد إضافي في أسعار الفائدة، مما يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب ويضغط عليه نحو المزيد من التراجع.
أما إذا جاءت الأرقام معتدلة أو سلبية، فإن الأسواق قد تفسر ذلك كتأكيد على تباطؤ التضخم، ما يمنح الذهب فرصة للعودة إلى الصعود.خامسًا: منطق السوق... عندما تُباع المخاوف وتُشترى الآمال
ما يجري الآن في الأسواق هو صورة كلاسيكية لما يسميه خبراء المال بـ "تداول العناوين". المستثمرون لا ينتظرون تطورات ملموسة بقدر ما يتفاعلون مع كل تصريح، وكل تسريب، وكل رقم، وكل وعد، وكأنهم يسيرون في حقل ألغام معلوماتي.
وهنا يظهر الذهب في صورة فريدة: فهو لا يتأثر فقط بالعرض والطلب، بل يتفاعل مع نفسية الأسواق وتقلباتها. فعندما تعلو المخاطر، يقفز الذهب. وعندما تُباع المخاوف وتُشترى الآمال، يتراجع.
قال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى KCM Trade:
"احتمالات تحسن العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم عززت الإقبال على المخاطرة، وبالتالي تراجع الطلب على الملاذ الآمن".
وهو تشخيص دقيق لا يشرح فقط ما جرى، بل ينذر بما قد يحدث.سادسًا: الخليج والأسواق الناشئة... بين ارتياح مؤقت وهواجس طويلة الأمد
بالنسبة لمنطقتنا في الخليج العربي، حيث تتشابك الاستثمارات في الذهب والنفط والعملات والديون السيادية، فإن كل ارتجاج في أسواق الذهب يُترجم فورًا إلى تحولات في السياسات المالية وصناديق الثروات السيادية.
صناديق الاستثمار الخليجية التي كانت قد عززت مواقعها في الذهب مطلع العام الجاري، ستنظر الآن بقلق إلى هذه التحركات. ليس فقط من زاوية العائد، بل من زاوية التوازن العام في المحافظ التي تواجه ضغوطًا من تقلبات أسعار النفط، واحتمالات تراجع العوائد في أدوات الدخل الثابت الأميركية.
في سوق مضطرب... الذهب لا يموت، لكنه يتنفس بصعوبة
في النهاية، يمكننا القول إن الذهب، رغم تراجعه، لا يزال الحصان الرابح في مضمار الأزمات الطويلة. وإذا كان الاتفاق الأميركي الصيني قد أراح الأسواق مؤقتًا، فإن هشاشته تجعل من الذهب لاعبًا سيعود إلى الواجهة بمجرد انكشاف أول ثغرة في هذا التفاهم.
ما يجري الآن هو انعكاس لزمن بلا يقين، حيث تحكم السوق ردود الأفعال لا الاستراتيجيات، والمشاعر لا المنطق. وفي مثل هذا الزمن، يبقى الذهب، وإن تراجع، هو صوت العقل في سوق يصرخ فيه الجميع.
وفي انتظار تقرير التضخم الأميركي، تبقى أعين المستثمرين مفتوحة، وقلوبهم معلّقة، على تلك الأرقام التي قد ترفع الذهب من جديد، أو تدفنه مؤقتًا في تربة من بيانات ومؤشرات وتأويلات.
وفي كل الحالات، الذهب لا يذوب... إنه فقط يعيد تشكيل نفسه.
