الخليج يفتح أبوابه لترامب من بوابة المصالح الكبرى

تم النشر 15/05/2025, 15:07

الرياض، مايو 2025 – من على أدراج قصر اليمامة الملكي، وفي مراسم بروتوكولية رفيعة الدقة، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جانب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ليوقعا وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين أكبر قوة اقتصادية في الغرب وأسرع اقتصاد نموًا في الشرق الأوسط. لم تكن مجرد لحظة رمزية لالتقاط الصور، بل إعلان صريح بأن الاقتصاد بات اللغة المشتركة الوحيدة في عالم تتنازعه الأزمات.

تبدو زيارة ترامب إلى الخليج، التي انطلقت من الرياض وستمضي نحو أبوظبي فالدوحة، وكأنها إعادة إحياء لرحلته الشهيرة في مايو 2017، حين اختار المملكة العربية السعودية كأول وجهة خارجية له بعد تنصيبه رئيسًا. لكن الفارق الآن أكبر من مجرد توقيت، فترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض محصنًا بتفويض شعبي واسع، يبدو عازمًا على المضي قدمًا في أجندة اقتصادية صلبة، عنوانها: "أميركا أولاً، ولكن عبر شراكات مربحة".

الخليج... بوابة الاستثمارات ومسرح التحولات

في توقيت حساس يشهد فيه الشرق الأوسط توترات أمنية معقدة، وانقسامات جيوسياسية متسارعة، تأتي هذه الزيارة لتؤكد أن الخليج لم يعد مجرد منطقة تعج بالنفط أو النزاعات، بل ساحة رئيسية لرسم مستقبل الاقتصاد العالمي.

اللقاء الذي جمع ترامب بولي العهد السعودي كان أبعد ما يكون عن لقاء بروتوكولي. فقد تبعه توقيع وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية التي حملت في طياتها سلسلة من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم، شملت قطاعات الطاقة، التعدين، الدفاع، التكنولوجيا، والتصنيع المتقدم. وتجاوزت قيمة الاتفاقات، بحسب مصادر غير رسمية، سقف 600 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يجعلها من أضخم حزم التعاون الاقتصادي الثنائي في التاريخ الحديث.

ليس من المبالغة القول إن ترامب وبن سلمان يقفان على ضفتي مشروع اقتصادي – سياسي يتقاطع مع طموحات رؤية السعودية 2030، التي وضعت تنويع مصادر الدخل في مقدمة أهدافها، ومع أجندة ترامب الذي يسعى لإعادة التوازن للعجز التجاري الأميركي عبر جذب الاستثمارات الخليجية وضمان عقود ضخمة لشركات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.

لقاء رجال الأعمال... الدلالة أبعد من الصورة

مشهد ترامب وهو يصافح الملياردير الأميركي إيلون ماسك داخل قصر اليمامة إلى جانب شخصيات سعودية وخليجية بارزة لم يكن تفصيلًا عابرًا. بل هو تجسيد لمعادلة جديدة يجرّب فيها الخليج الانتقال من نموذج "الزبون" إلى "الشريك"، ومن موقع "ممول الصفقات" إلى "مؤسس التحالفات".

هذه التحولات جاءت مدعومة بتحول نوعي في سياسة الاستثمار الخارجي للسعودية، حيث ارتفع حجم الاستثمارات السعودية المباشرة في الأسواق الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة، وفق تصريحات وزير المالية محمد الجدعان. كما يشهد الخليج – وخصوصًا السعودية والإمارات – تدفقًا متسارعًا لرؤوس الأموال الأميركية، في ظل بيئة أعمال أكثر انفتاحًا وشفافية، وإصلاحات تنظيمية تشجع على نقل المعرفة وبناء الصناعات.

السياسة على الهامش... ولكنها لا تغيب

ورغم أن الاقتصاد احتل واجهة الزيارة، إلا أن السياسة لا تغيب بالكامل عن خلفية المشهد. فقد ألمح ترامب خلال تصريحاته في الرياض إلى "أن الشعب في غزة يستحق مستقبلًا أفضل"، وهي إشارة رمزية تحاول طمأنة الشارع العربي، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه انتقادات بسبب موقفها من حرب غزة – إسرائيل، وتعاملها مع أزمة البحر الأحمر.

لكنّ الرسالة الأوضح في هذه الزيارة هي أن واشنطن لم تعد ترى المنطقة من منظور النزاعات فقط، بل كفرصة استثمارية ضخمة، ومركز عبور مهم للطاقة والمعادن النادرة والتكنولوجيا، في ظل تسابق عالمي نحو إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد بعد أزمة كورونا وتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية.

بين الصين وأميركا... الخليج يوازن خياراته

من المؤكد أن الخليج، وعلى رأسه السعودية، لا يتحرك في فراغ استراتيجي. فبينما تسعى واشنطن إلى ترسيخ تحالف اقتصادي طويل الأمد مع الرياض، تواصل بكين بدورها تعزيز وجودها التجاري والتقني في المنطقة. وهنا يصبح توقيع وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين ترامب وبن سلمان بمثابة "إعادة تموضع" للسياسات الخليجية نحو توازن حذر بين القوتين العظميين.

ولي العهد السعودي، الذي لطالما كرر أن بلاده "ليست رهينة لمحور واحد"، يدرك أن تعددية الشراكات تعزز من هامش المناورة السياسي والاقتصادي، وتمنح بلاده موقعًا تفاوضيًا أقوى على الصعيد العالمي.

نحو مرحلة اقتصادية جديدة في الخليج

المكاسب التي تحققت في ظل رؤية 2030 باتت ملموسة. من تراجع البطالة إلى أدنى مستوياتها (7%)، إلى تطور غير مسبوق في تمكين المرأة، وطفرة سياحية تجاوزت 100 مليون زائر سنويًا – وهو الرقم المستهدف في عام 2030 وقد تحقق قبل أوانه.

لكن الإنجاز الأكبر قد يكون في التغيير العقلي الذي طرأ على طريقة تفكير صناع القرار في الخليج. فاليوم، يتحدث الوزراء والمستشارون عن صناديق سيادية ذكية، ومشروعات صناعية خضراء، وابتكارات تقنية، وأسواق مالية ناضجة، و"اقتصاد معرفة" قائم على التنافسية والحوكمة.

هذه التغيرات لم تعد طموحات على الورق، بل واقع جديد فرض نفسه في خطاب المسؤولين الخليجيين والأميركيين، كما ظهر جليًا في جلسات منتدى الاستثمار الذي شهد مشاركة وزير المالية السعودي ونظيره الأميركي، واللذان أكدا معًا على "تنسيق السياسات النقدية والمالية لتحقيق توازن عالمي جديد".

أميركا تعود إلى الخليج... ولكن بشروط جديدة

عودة ترامب إلى الخليج ليست مجرد إحياء لزيارة سابقة، بل هي إعلان واضح عن نموذج جديد من العلاقات الثنائية، يقوم على التكافؤ والشراكة بعيدة المدى، وليس على مبدأ "النفط مقابل الحماية" كما ساد في عقود مضت.

من جهته، يسعى ترامب إلى تسجيل نصر اقتصادي كبير يعزز حظوظه في الداخل الأميركي، خصوصًا في ولايات الصناعة التقليدية التي فقدت الكثير من الوظائف لصالح الصين والمكسيك. أما الخليج، فيدرك أن اللحظة الراهنة قد تكون الأفضل للاستفادة من رغبة أميركا في تعويض التراجع النسبي لنفوذها، وذلك عبر إعادة هندسة العلاقات بما يخدم مصلحة الطرفين.

ماذا بعد التوقيع؟

الوثائق والاتفاقيات الموقعة ليست سوى بداية لمسار طويل من التعاون، سيتطلب حوكمة رشيدة، ورقابة مؤسسية، وقدرة حقيقية على ترجمة الطموحات إلى أرقام فعلية في الميزانيات والتقارير السنوية.

لكن الأهم هو أن هذه الزيارة قد تكون بداية تحالف اقتصادي جديد يتجاوز كونه ثنائيًا، ليرتبط بإعادة صياغة النظام التجاري العالمي، وإعادة توازن موازين القوى في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة كل يوم.

الخليج لاعب لا متفرج

في خضم هذا الزخم، يتأكد أن دول الخليج لم تعد رقعة على خريطة الشرق الأوسط، بل باتت حجر زاوية في معادلة الاقتصاد العالمي، ومنصة انطلاق لرؤى طموحة تعيد تعريف مفهوم النمو والشراكة والنهضة.

زيارة ترامب قد تنتهي خلال أيام، لكن بصمتها الاقتصادية ستبقى طويلاً، تمامًا كما بقي أثر زيارته الأولى في 2017. أما الخليج، فقد قرر أن يكتب فصله الجديد بنفسه، لا كطرف متأثر بالأحداث، بل كقوة فاعلة تصنعها.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.