عاجل: في ختام الجلسة الأمريكية اليوم...تراجع الذهب وارتفاع الفضة
عندما يرتفع صوت المدافع في الشرق الأوسط، تصمت قوانين السوق، وتتحول آليات العرض والطلب إلى مجرد هامش ضئيل بجوار المعادلة الكبرى: الجغرافيا السياسية. فجر الخميس، حين أعلنت إسرائيل عن استهداف منشآت نووية إيرانية في نطنز وآراك، لم تكن الأسواق النفطية بحاجة إلى تحليل اقتصادي لتفهم الرسالة. البراميل ارتفعت قيمتها قبل أن يُمحى الدخان من الصور الأقمار الصناعية، لأن من يعرف تاريخ المنطقة يدرك أن كل طلقة فيها تُسعّر النفط، وكل صاروخ قد يغلق مضيقًا.
لكن الأهم من الانفجار هو ما تلاه: تصريح استراتيجي ومفاجئ من كيريل دميترييف، الممثل الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاقتصادي الدولي، والمقرّب من دوائر القرار في الكرملين. الرجل لمح إلى إمكانية عودة التنسيق بين روسيا، الولايات المتحدة، والسعودية، من أجل تهدئة أسواق النفط… تمامًا كما حدث في ربيع 2020.
الفرق الجوهري اليوم أن من يقود البيت الأبيض ليس جو بايدن، بل دونالد ترامب، في ولايته الثانية التي بدأها في يناير 2025، وسط عالم تغيرت فيه التحالفات والأولويات. فهل يعود الثلاثي الأقوى في عالم النفط إلى الطاولة؟ أم أن مصالح اليوم أضخم من ذكريات الأمس؟
أولًا: عودة ترامب... وعودة الدبلوماسية الصدامية
الرئيس دونالد ترامب لا يحتاج إلى تمهيد إعلامي. الرجل الذي أطلق شعاره الشهير "أميركا أولًا" عاد إلى البيت الأبيض محمّلًا برؤية صلبة حول الطاقة، قائمة على الاستقلال، والضغط، والمصالح الصريحة. ترامب الذي كان مهندس اتفاق "أوبك+" في 2020 حين انهارت الأسواق بسبب كورونا، يعلم تمامًا أن تحريك السعودية وروسيا في مسار واحد ليس أمرًا مستحيلًا، بل ممكن عندما يُستدعى بوضوح.
ولكن هذه المرة، لا تعاني الأسواق من الوفرة، بل من شبح العجز. التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة مفتوحة تشمل مضيق هرمز، أو تؤثر على الإنتاج في العراق والخليج. وهذا السيناريو يضع البيت الأبيض، من جديد، في موقع منقذ الأسواق.
وإذا كان ترامب في 2020 قد تفاوض بهاتف واحد مع محمد بن سلمان وبوتين، فاليوم هو أكثر استعدادًا – بل واندفاعًا – لإعادة إنتاج هذا الدور، مع فارق وحيد: أنه يرى في التنسيق أداة "سيطرة" لا "شراكة".
ثانيًا: بوتين… النفط سلاح مرن في يد الكرملين
من جهة موسكو، تصريح دميترييف لم يكن مجرد كلام دبلوماسي. روسيا اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من العقوبات الغربية بسبب حرب أوكرانيا، باتت ترى في الطاقة وسيلة سياسية بامتياز. وبوتين، الذي تربطه علاقة معقّدة بترامب، يعرف أن التقاء المصالح في سوق النفط لا يعني تقاربًا في الملفات الأخرى، بل فرصة لتحقيق استقرار مؤقت… مفيد للطرفين.
بوتين لم ينسَ أن ترامب هو من رفض العقوبات الأوروبية على خط "نورد ستريم 2" خلال ولايته الأولى، وأن علاقته مع أوروبا كانت فاترة. وربما يرى في عودة ترامب فرصة لتخفيف الضغط على قطاع الطاقة الروسي، خاصة إذا رُفع الحظر غير الرسمي على بعض تعاملات النفط والغاز.
لذا، عندما يقول دميترييف إن "التحالف ممكن"، فهو لا يقترح مبادرة رومانسية، بل يُرسل إشارات عملية: موسكو مستعدة لتنسيق نفطي مقابل تنفيس سياسي.
ثالثًا: السعودية... سيدة التوازنات الحقيقية
وسط هذا المشهد، تقف السعودية بثبات على منصة القرار النفطي. محمد بن سلمان، الذي خاض أكثر من اختبار في السنوات الأخيرة، من انهيار أسعار النفط، إلى الحرب في أوكرانيا، إلى تقلبات الأسواق الأميركية، يعرف الآن أن الاستقرار هو رأس المال الحقيقي.
السعودية لا ترغب في قفزات سعرية مفاجئة. تجربة 2022، عندما تجاوز النفط 120 دولارًا، كانت مرهقة للعالم، وأحرجت علاقاتها بعدة عواصم. ولكنها أيضًا لا تقبل بهبوط الأسعار إلى ما دون 70 دولارًا، خاصة في ظل التزامات الإنفاق الضخمة المرتبطة برؤية 2030.
لذا، فإن فكرة التنسيق مع روسيا وأميركا ليست جديدة. ولكنها اليوم أكثر واقعية. السعودية ترى أن أي انفجار في الخليج قد يمس منشآتها مباشرة، وأن استقرار الأسعار في ظل التوترات هو إنجاز دبلوماسي واقتصادي معًا.
ومع أن الرياض تتجنب عادة التورط في التحالفات الثلاثية الصريحة، إلا أن وجود ترامب – وليس بايدن – يغير الحسابات. محمد بن سلمان وترامب يحتفظان بعلاقات شخصية قوية، وتفاهمات مرنة قد تُسرّع أي اتفاق محتمل خلف الكواليس.
رابعًا: هل التحديات الداخلية تهدد الصفقة؟
رغم وضوح المؤشرات على الساحة الدولية، إلا أن التحدي الحقيقي أمام تحالف نفطي ثلاثي جديد لا يكمن فقط في الجغرافيا السياسية، بل في التوترات الداخلية لكل طرف:
• في واشنطن: ترامب يخوض معارك شرسة في الكونغرس، وسط انقسام حزبي حاد. أي تفاهم مع روسيا قد يُستخدم ضده سياسيًا، خاصة من الديمقراطيين ووسائل الإعلام المناوئة.
• في موسكو: بوتين لا يملك رفاهية التنازل أمام العالم. وكل خطوة تنسيقية يجب أن تبدو انتصارًا سياديًا، لا تراجعًا تكتيكيًا.
• في الرياض: السعودية تدير ملفها النفطي بهدوء، ولكنها تدرك أن أي اتفاق تُتهم فيه بالانحياز لأي طرف سيؤثر على صورتها كقائد متوازن.
خامسًا: السيناريوهات الممكنة في الأسابيع القادمة
1. تحالف ضمني غير معلن: وهو الأرجح في الوقت الحالي، حيث تتفق الأطراف الثلاثة على "كبح" الإنتاج تدريجيًا دون إعلان سياسي. ويتم ذلك عبر اجتماعات "أوبك+" وتفاهمات خلفية.
2. إعلان مشترك نادر: إذا تصاعدت التوترات في الخليج، أو استهدفت منشآت حيوية (مثل منشآت أرامكو (TADAWUL:2222) أو خطوط الأنابيب العراقية)، قد يضطر الأطراف إلى إصدار بيان مشترك يهدّئ الأسواق، حتى دون خفض رسمي للإنتاج.
3. فشل في التفاهم وعودة الفوضى: وهذا احتمال خطير. إذا قررت روسيا تعزيز صادراتها لتجاوز العقوبات، وردّت السعودية بتخفيضات منفردة، بينما تفرغ واشنطن الاحتياطي الاستراتيجي، سنشهد فوضى سعرية قد تؤدي إلى تصحيحات مؤلمة في السوق.
سادسًا: هل تعني أسعار مرتفعة بالضرورة أزمة عالمية؟
لا. المهم ليس سعر النفط في ذاته، بل وتيرته. السوق يحتمل أسعارًا تتراوح بين 85 و95 دولارًا للبرميل، بشرط أن تأتي تدريجيًا، وبدون صدمة جيوسياسية.
أما إذا قفزت الأسعار فوق 110 دولارًا بسبب أزمة عسكرية أو سياسية، فالعالم قد يُعاد تشكيله من جديد: سيتضرر النمو، ويُعاد النظر في سلاسل التوريد، وستُستعجل الخطط الأوروبية للتحول الطاقي.
عندما تحكم المصلحة... تذوب الشعارات
التحالف بين ترامب وبوتين ومحمد بن سلمان ليس تحالف قيم أو مبادئ. إنه تحالف مصلحة، يحكمه النفط، ويقيس نتائجه بالبرميل والدولار.
وإذا كانت الحرب تشتعل في الشرق، فإن المفاوضات تُدار من الغرب والشرق معًا، بحثًا عن صيغة تمنع السوق من الانفجار.
ولعل أهم ما في تصريح دميترييف أنه يعيد العالم إلى لحظة 2020... ولكن في مرآة معكوسة. ففي 2020، كانت الأسواق مريضة والقيادة موحّدة. اليوم، السوق متوترة، والقيادة ثلاثية، وكل طرف له حساباته.
فهل نعود إلى "اتفاق الضرورة"، أم ننتظر أن يُحدّد الدخان المتصاعد من نطنز السعر الجديد للنفط؟
