الأرقام لا تكذب.. لكنها قد تتجمل

تم النشر 12/08/2025, 10:21


لأرقام لا تكذب.. لكنها قد تتجمل
في خطوة صادمة هزت أركان النظام الإحصائي الأمريكي، أقال الرئيس دونالد ترامب الدكتورة إريكا ماكنتارفر، كبيرة الاقتصاديين في مكتب إحصاءات العمل (BLS)، وهي الوكالة المسؤولة عن إعداد بيانات التوظيف الحيوية. جاءت هذه الإقالة بعد صدور أرقام للوظائف لم ترقَ لتوقعات الإدارة. هذه الحادثة، التي تُعد الأولى من نوعها تقريباً خلال أكثر من قرن، أشعلت جرس إنذار مدوٍ حول استقلالية البيانات الحكومية.
 
لم تكن المشكلة في الأرقام نفسها، إذ ظل الموظفون المهنيون في الوكالة يستخدمون منهجيات علمية دقيقة ومحايدة، بل كانت الرسالة السياسية الواضحة التي أرسلتها تلك الإقالة: “إذا لم تعجبني النتائج، سأغير من يُعدها”. هذا التدخل الصارخ يهدد بتقويض الثقة في نظام إحصائي بُني على الحيادية والمهنية لعقود طويلة.
 
لكن هل كانت هذه الحادثة فريدة من نوعها؟ أم أنها مجرد فصل جديد في صراع قديم بين السياسة والحقيقة؟
 
إن التوتر بين الحاجة لبيانات موضوعية والرغبة السياسية في التحكم بالرواية ليس جديداً على الإطلاق. فالتاريخ الأمريكي نفسه، الذي يملك أحد أعرق الأنظمة الإحصائية في العالم، شهد محاولات متكررة للتدخل السياسي في الأرقام الرسمية.
 
            •           إدارة نيكسون والضغط على الخبراء: في سبعينيات القرن الماضي، ومع ارتفاع معدلات البطالة، مارست إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ضغوطاً على مكتب إحصاءات العمل. وصل الأمر إلى إلغاء المؤتمرات الصحفية الدورية للخبراء، واستبدالها بتعليقات من سياسيين يقدمون رواية أكثر إيجابية عن الاقتصاد.
            •           إدارة جورج دبليو بوش وتعديل تقارير المناخ: خلال فترة ولايته، اتُهم البيت الأبيض بالتدخل في التقارير العلمية الحكومية، خاصة تلك المتعلقة بتغير المناخ، حيث تم تعديلها لتقليل أهمية النتائج التي توصل إليها العلماء والتخفيف من الشعور بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة.
            •           التعداد السكاني كساحة معركة سياسية: لطالما كان التعداد السكاني الأمريكي، الذي يحدد توزيع السلطة السياسية ومليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي، ساحة للجدل. ففي عشرينيات القرن الماضي، رفض الكونغرس إعادة توزيع المقاعد النيابية بعد أن أظهر التعداد تحولاً ديموغرافياً لصالح المدن. ومؤخراً، حاولت إدارة ترامب إضافة سؤال “المواطنة” إلى تعداد 2020، وهي خطوة حذر الخبراء من أنها كانت ستؤدي حتماً إلى عدّ ناقص وغير دقيق للأقليات والمهاجرين.
 
هذه الأمثلة من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تجارب دول أخرى، ترسم صورة مقلقة.
 
            •           الأرجنتين: عندما “اختفى” التضخم: بين 2006 و2015، حاولت الحكومة الأرجنتينية محاربة التضخم “بإخفائه” من الإحصاءات. كانت النتيجة كارثية: فقد المستثمرون الثقة، وارتفعت تكلفة الاقتراض، وتآكلت القوة الشرائية.
            •           اليونان: الكذبة التي كادت تُدمر اليورو: قبل الأزمة المالية العالمية، زورت الحكومات اليونانية بياناتها المالية لإخفاء حجم العجز الحقيقي. وعندما انكشفت الحقيقة، لم تتضرر اليونان فقط، بل اهتز استقرار منطقة اليورو بأكملها.
            •           الصين: عندما تتنافس الأرقام مع الواقع: في الصين، يُقيّم المسؤولون المحليون بناءً على تحقيق أهداف النمو، مما يحفزهم على تضخيم الأرقام. والنتيجة أن مجموع أرقام المقاطعات يتجاوز الرقم الوطني، كأن مجموع أجزاء الكعكة أكبر من الكعكة نفسها!
 
انهيار الثقة وتأثيره المدمر
عندما تتدخل السياسة، تتحول الإحصاءات من أداة لكشف الحقيقة إلى أداة لإخفائها. والنتيجة؟ قرارات خاطئة، وثقة متآكلة، واقتصاد يسير في الظلام.
 
            •           أولاً، يصبح صانعو القرار كقباطنة سفن يبحرون في عاصفة بدون بوصلة، فتصبح قراراتهم مبنية على تخمينات.
            •           ثانياً، يفقد المستثمرون ثقتهم ويهربون إلى بيئات أكثر شفافية، مما يسبب تراجع النمو الاقتصادي.
            •           ثالثاً، وهو الأخطر، يتفاقم الاستقطاب السياسي، حيث يُروج كل طرف لروايته الخاصة، ويُقوّض قدرة المجتمع على بناء توافق حول القضايا المهمة.
 
الطريق إلى الأمام: حماية الحقيقة
الحل ليس معقدًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية قوية. علينا أن ندرك أن استقلالية المؤسسات الإحصائية ليست رفاهية بل ضرورة حيوية لصحة الديمقراطية والاقتصاد.
 
نحتاج إلى بناء جدران حماية قانونية وثقافية حول الإحصائيين، وتوفير الموارد اللازمة لهم، وتعزيز ثقافة مجتمعية تقدّر الحقيقة حتى وإن كانت غير مريحة.
 
الدفاع عن مبدأ “الأرقام لا تكذب” هو دفاع عن الحقيقة نفسها. وفي عالم يفيض بالمعلومات المضللة والأخبار المزيفة، تصبح هذه المعركة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
 
فالأرقام، في النهاية، لا تكذب. لكن علينا أن نضمن أن الذين يُعدونها لا يُجبرون على فعل ذلك.
 

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.