بلد المنشأ… السلاح الخفي في مواجهة حرب ترامب التجارية

تم النشر 14/08/2025, 13:02

لماذا يهم بلد المنشأ للمنتج في حرب ترامب التجارية

تهدف التعريفات الجمركية "المعاملة بالمثل" التي يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحقيق تكافؤ في المنافسة في التجارة العالمية، من خلال فرض رسوم استنادًا إلى مكان تصنيع المنتج.

تبدو الفكرة بسيطة: الواردات من تايوان مثلًا تخضع لتعريفات بنسبة 20%، في حين تواجه السلع القادمة من اثنين من جيرانها، اليابان وكوريا الجنوبية، رسومًا أقل بنسبة 15%. لكن هذه السياسة تعتمد على سؤال محوري ومعقد في كثير من الأحيان: أين صُنع المنتج بالفعل؟

في بعض الحالات، يكون تحديد بلد المنشأ أمرًا معقدًا حقًا بسبب تعدد الموردين ونقاط التجميع حول العالم. وفي أحيان أخرى، تستخدم الشركات سلاسل إمداد عالمية معقدة للتلاعب في بلد المنشأ وتجنب الرسوم الجمركية الأعلى.

في 31 يوليو، أعلن ترامب أنه سيتخذ إجراءات صارمة ضد الشركات التي تقوم عمدًا بـ"إعادة الشحن" (Transshipment) للسلع بغرض الالتفاف على الرسوم التجارية. وقال إن هذه الواردات ستواجه رسومًا إضافية بنسبة 40% فوق التعريفة الأساسية لبلدها.

كيف تحدد الولايات المتحدة بلد منشأ المنتج؟

يعتمد ذلك على ما يُعرف بـ"قواعد المنشأ" (Rules of Origin)، وهي مجموعة من المعايير المعتمدة في التجارة الدولية. تضع كل حكومة قواعدها الخاصة، لكنها تستند إلى الإطار الذي وضعته منظمة التجارة العالمية في أواخر التسعينات.

إذا كان المنتج قد تم تصنيعه بالكامل في بلد واحد باستخدام مكونات محلية، فالأمر سهل نسبيًا ويُقال إنه "مُستحصل بالكامل" من ذلك البلد، مثل المواشي أو الخضروات أو المعادن كالفضة.

أما إذا كان المنتج يحتوي على مكونات من أكثر من بلد، يصبح الأمر أعقد: من أين جاءت الأجزاء؟ ما قيمتها؟ وأين خضعت لما يسمى بـ"التحول الجوهري" (Substantial Transformation)؟

تُعرف وزارة التجارة الأمريكية التحول الجوهري بأنه تغيير أساسي في الشكل أو المظهر أو الخصائص، يضيف قيمة كبيرة للمنتج، غالبًا من خلال التصنيع أو المعالجة. أحيانًا يكون هذا التغيير واضحًا، وأحيانًا لا. فمثلًا، إذا كان 90% من قيمة معطف تأتي من مكونات صينية و10% فقط من تجميعه في إيطاليا، قد يكون من الصعب اعتباره "صنع في إيطاليا".

إذا كان من الصعب تحديد المنشأ بهذه الطريقة، يمكن النظر إلى معايير أخرى، مثل البلد الذي جاءت منه أهم مكونات المنتج التي تعطيه "جوهره الأساسي". وإذا ظل الأمر غير واضح أو محل نزاع، يمكن للشركات التقدم بطلب قرار نهائي من هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP).

في بعض الأحيان تأخذ المسألة بعدًا فلسفيًا، مثل قرار عام 1990 بشأن منشأ فرشاة طلاء، حيث قررت الجمارك أن بلد المنشأ هو الصين، لأن الأجزاء الأكثر أهمية وقيمة  وهي الشعيرات والمعدن كانت صينية، بينما لم يكن التجميع في الفلبين كافيًا لاعتباره تحولًا جوهريًا.

كما يمكن استخدام رموز النظام المنسق (HS Codes) لقياس ما إذا كان المنتج قد خضع لتحول جوهري، إذ يتغير الرمز عند تحويل المواد الخام إلى منتج نهائي.

ما علاقة هذه القواعد بتعريفات ترامب؟

هناك علاقة قوية جدًا بكل تأكيد، فقواعد المنشأ تحدد ما إذا كان المنتج سيخضع للتعريفات الجمركية المرتفعة أم لا والنسب المقرر فرضها عليها. الفارق بين التعريفات المفروضة على بلد وآخر قد يكون كبيرًا، ما يدفع بعض الشركات لنقل مصانعها من الصين إلى دول أخرى لتقليل الرسوم.

لكن هناك ارتفاعًا ملحوظًا هذا العام في حالات التحايل على قواعد المنشأ لتجنب الرسوم الأمريكية المرتفعة، ما دفع ترامب لفرض رسوم إضافية 40% على المنتجات التي تم "إعادة شحنها" بغرض التحايل على التعريفات الجمركية.

ما هو "إعادة الشحن" (Transshipment)؟

هو عملية قانونية في الأساس، تعني نقل البضائع من وسيلة نقل إلى أخرى في طريقها لبلد المقصد. أحيانًا يحدث ذلك لتقليل التكلفة أو بسبب القيود اللوجستية، وأحيانًا لإضافة لمسات نهائية قبل التصدير.

لكن يمكن استغلال إعادة الشحن في "غسيل المنشأ" (Origin Washing)، أي تزوير بلد المنشأ لتجنب الرسوم. ويتم ذلك غالبًا عبر دولة ثالثة تمنح شهادة منشأ مزورة أو تقوم بإضافة قيمة بسيطة جدًا للمنتج قبل إعادة تصديره.

وتشير إحصاءات أخيرة إلى أن هناك زيادة كبيرة في هذا النوع من التحايل من الصين، حيث تراجعت صادراتها المباشرة إلى الولايات المتحدة، بينما ارتفعت صادراتها إلى دول جنوب شرق آسيا، التي بدورها زادت صادراتها إلى الولايات المتحدة بالسلع نفسها تقريبًا.

ما الذي يقصده ترامب باستهداف إعادة الشحن؟

تصريحات ترامب الأخيرة بخصوص هذا الشأن غير واضحة تمامًا، إذ أن سياسة إعادة الشحن تعتبر ممارسة تجارية أساسية. لكن المؤشرات تدل على أن الإدارة الأمريكية تريد استهداف الصين عبر سلاسل الإمداد الخاصة بها، والعمل مع دول أخرى لتشديد قواعد المنشأ ومنع التحايل.

والسؤال الأهم هنا، هل سيكون الحل عبر تطبيق قواعد أكثر صرامة لمعايير "القيمة المضافة المحلية"؟ أم رفع نسب المحتوى المحلي المطلوب؟ التفاصيل لا تزال غير معلنة بشكل رسمي.

هل يمكن فعلاً القضاء على الغش التجاري؟

يتعين على الشركات المستوردة تقديم شهادة منشأ لكل شحنة، مع وضع علامة بلد المنشأ على المنتج نفسه. لكن تنفيذ ذلك صعب، إذ تتعامل الجمارك الأمريكية مع مليارات الطرود سنويًا، ولا يمكن فحصها جميعًا.

وهنا يأتي دور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لفحص قواعد بيانات خاصة لرصد الأنماط غير الطبيعية، إضافة إلى الاعتماد على البلاغات من المنافسين أو جمعيات الصناعة. وعند الاشتباه، يمكن فتح تحقيق يشمل مراجعة أوراق التوريد، وتتبع سلسلة التصنيع، وأحيانًا القيام بزيارات ميدانية للمصانع في الخارج.

هذا، ويستمر سيناريو التعريفات الجمركية في تحديد إيقاع الأسواق المالية خلال العام الجاري وربما المقبل إلى أن يشعر ترامب بأنه قد حقق فوز في ملف العجز التجاري والذي فشل فيه خلال ولايته السابقة.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.