الذكاء الاصطناعي والأسواق الناشئة: فرصة لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي

تم النشر 19/08/2025, 17:32

في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، تقفُ الأسواقُ الناشئةُ على أعتاب مرحلة غير مسبوقة، حيث يلتقي الطموحُ الإنسانيُّ بالتطور التكنولوجيِّ ليصنع معاً ملامح مستقبل مختلف. لقد اعتدنا لسنوات طويلة أن ترتبطَ هذه الأسواقُ بالتحديات التقليدية: فجوات في البنية التحتية، تفاوت في مستويات التعليم، وغياب السياسات المرنة. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب هذه الاقتصادات يفتحُ البابَ أمام تحول جذري، قد ينقلها من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع صانع القيمة المضافة، وربما حتى إلى موقع الريادة.

اليوم، لم يَعُدِ الحديثُ عن الذكاء الاصطناعي ترفًا فكريًا أو نزعة تكنولوجية تخص الشركات الكبرى في وادي السيليكون، بل أصبحَ لغةَ الاقتصادِ الجديدِ وأحد المحركات الأساسية للنمو المستدام. واللافت أن الاقتصادات الناشئة، التي لطالما اعتُبرتِ الحلقةَ الأضعفَ في النظام الاقتصادي العالمي، بدأتْ تتحولُ إلى بيئة خصبة لتجارب مبتكرة تَجعلُها قادرةً على استغلال هذه التقنية بما يفوقُ التوقعات.

الذكاء الاصطناعي... من هامش التقنية إلى قلب الاستراتيجيات

قبل عقد من الزمن، كان يُنظرُ إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة متقدمة محصورة في مختبرات البحث أو المؤسسات التكنولوجية المتطورة. أما اليوم، فقد صارَ أداةً إنتاجيةً تَمسُّ مختلف جوانب الحياة اليومية: من تحليل البيانات في البنوك إلى إدارة الحقول الزراعية، ومن تحسين تشخيص الأمراض في المستشفيات إلى تعزيز كفاءة التعليم عبر أدوات التعلم الذكية.

هذه النقلة النوعية جعلتِ الذكاءَ الاصطناعيَّ محورًا رئيسيًا في صياغة استراتيجيات الدول، بما في ذلك الدول النامية والناشئة. والواقع أن هذه الاقتصادات تمتلكُ فرصًا مضاعفةً، لأن حاجتها الملحة إلى تسريع معدلات النمو تَجعلُها أكثر استعدادًا لتبني حلول مبتكرة تتجاوزُ البنى التقليدية التي كبّلتْ نموها لعقود.

الأسواق الناشئة... قوة كامنة تنتظر الانطلاق

تُشكلُ الأسواقُ الناشئةُ اليوم أكثر من نصف سكان العالم، وتضمُّ قاعدةً شبابيةً واسعةَ الطموحاتِ، وهي الفئة الأكثر تقبلًا للتكنولوجيا الرقمية. هذه المعطيات السكانية والديموغرافية تَجعلُها بيئةً مثاليةً لاحتضان تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كمستهلِكةٍ للخدمات، بل كمُنتِجةٍ للحلول والأفكار الجديدة.

ولعل ما يَمنحُ الأسواقَ الناشئةَ زخمًا إضافيًا هو إمكانية القفز على المراحل. فكما فعلتْ مع الهواتف المحمولة حين تخطّتْ مرحلةَ البنية التحتية التقليدية للاتصالات الأرضية، تستطيعُ اليومَ أن تقفزَ مباشرةً إلى تبني بنى تحتية قائمة على الحوسبة السحابية، ومراكز بيانات متطورة، ومنصات ذكاء اصطناعي يمكنها أن تُحاكيَ وتُنافسَ حتى على المستوى العالمي.

الاستثمار في الذكاء الاصطناعي: رهان استراتيجي طويل الأمد

تُشيرُ التقديراتُ إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي قد يَتضاعفُ أكثر من عشرين مرة خلال العقد المقبل، ليصل إلى ما يُقاربُ خمسةَ تريليونات دولار. هذه القفزة لا تَعكسُ فقط قوة الابتكار، بل أيضًا حجم الطلب المتزايد على حلول قادرة على تحسين الإنتاجية وخفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية.

بالنسبة إلى الأسواق الناشئة، فإن الاستثمار في هذا القطاع لم يَعُدْ خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية. المؤسسات المالية الكبرى بدأتْ تُدركُ ذلك بالفعل، إذ تتجهُ صناديقُ الاستثمارِ إلى ضخ مليارات الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية المرتبطة بها. وما نراهُ من صعود سريع لأسهم شركات أشباه الموصلات الآسيوية أو شركات الخدمات التقنية في الهند والبرازيل ودول الخليج ليس إلا مؤشرًا أوليًا على ما يمكن أن تحملهُ السنواتُ المقبلةُ.

القطاعات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي

إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أثبتَ قدرتهُ على إحداث ثورة في الاقتصادات المتقدمة، فإن تأثيره في الأسواق الناشئة قد يكونُ مضاعفًا، لأنه يُعالجُ مواطنَ الضعفِ التقليديةَ. ويمكن رصد أبرز القطاعات التي ستتأثرُ بشكل مباشر:

  • الزراعة الذكية: حيث تُمكّنُ أدواتُ التنبؤِ بالطقسِ وتحليل بيانات التربة من تحسين المحاصيل وتقليل الفاقد.

  • الخدمات المالية الرقمية: التي تُوسعُ قاعدةَ الشمولِ الماليِّ عبر أدوات تقييم ائتماني دقيقة تعتمدُ على تحليل البيانات السلوكية.

  • الرعاية الصحية عن بُعد: التي تُوفرُ حلولًا مبتكرةً للتشخيص والعلاج، خصوصًا في المناطق النائية التي تُعاني من نقص الكوادر الطبية.

  • التعليم الرقمي: الذي يَفتحُ المجالَ أمام ملايين الطلاب للوصول إلى محتوى تعليمي متطور عبر أدوات تفاعلية تعتمدُ على الذكاء الاصطناعي.

  • الخدمات الحكومية الذكية: التي يمكن أن تختصرَ الوقتَ والتكاليفَ وتُحسنَ الشفافية، بما يَرفعُ من مستوى ثقة المواطن بمؤسساته.

التحديات… عقبات لا يمكن تجاهلها

ورغم أن الصورة تبدو واعدةً، فإن الطريق أمام الأسواق الناشئة ليس سهلاً. فهناك تحديات جوهرية لا بد من التعامل معها بحكمة:

  • الفجوة في البنية التحتية الرقمية: ما زالت مناطق واسعة تُعاني من ضعف الإنترنت أو غياب الخدمات السحابية المتقدمة.

  • ندرة الكفاءات البشرية: إذ يَتركزُ معظمُ البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي داخل دول متقدمة، بينما تُواجهُ الدولُ الناشئةُ نقصًا في الكوادر المدربة.

  • التشريعات والحوكمة: تحتاجُ هذه الاقتصاداتُ إلى قوانين متوازنة تُحفّزُ الابتكارَ وتحمي في الوقت ذاته حقوق الأفراد والمؤسسات.

  • المخاطر الاجتماعية: مثل احتمالية استبدال العمالة منخفضة المهارات، ما يَستلزمُ برامجَ تأهيلٍ وإعادةِ تدريبٍ واسعةَ النطاق.

التحول من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المعرفة

إن أهم ما يُميزُ الذكاءَ الاصطناعيَّ هو قدرته على مساعدة الاقتصادات الناشئة في الانتقال من نموذج نمو يعتمدُ على استنزاف الموارد الطبيعية إلى نموذج يقومُ على المعرفة والإبداع. هذا التحول لا يَخلقُ فرصَ عملٍ جديدةً فحسب، بل يُعززُ من مكانة هذه الدول في الاقتصاد العالمي، ويُقلصُ الفجوات التقنية والاقتصادية التي عانتْ منها لعقود.

من هنا، تُصبحُ الأسواقُ الناشئةُ أمام خيار استراتيجي: إما أن تَستثمرَ بقوةٍ في الذكاء الاصطناعي لتتحول إلى لاعب رئيسي في المستقبل، أو تَظلَّ عالقةً في دوامة التبعية التكنولوجية.

نحو رؤية استراتيجية متكاملة

حتى تَنجحَ هذه الاقتصاداتُ في استثمار الفرصة التاريخية، لا بد من تبني رؤية شاملة ترتكزُ على أربع ركائز أساسية:

  • الاستثمارُ في البنية التحتية الرقمية: إنشاء مراكز بيانات متطورة وشبكات اتصال فائقة السرعة.

  • تطويرُ رأس المال البشري: عبر برامج تعليمية متقدمة تُركّزُ على المهارات الرقمية والبرمجة وتحليل البيانات.

  • إرساءُ تشريعاتٍ داعمةٍ: تُحققُ التوازنَ بين تحفيز الابتكار وحماية الخصوصية والحقوق.

  • بناءُ شراكاتٍ دوليةٍ: للاستفادة من الخبرات ونقل التكنولوجيا وتبادل التجارب الناجحة.

لحظة القرار

إن الذكاء الاصطناعي لم يَعُدْ خيارًا للنقاش أو مادة للتجارب النظرية، بل أصبحَ حقيقةً تفرضُ نفسها على الجميع. وإذا كانت الاقتصادات المتقدمة قد بدأتْ بالفعل في جني ثمار استثماراتها المبكرة، فإن الأسواق الناشئة تقفُ الآن أمام لحظة القرار: إما أن تدخلَ السباقَ بقوةٍ ورؤيةٍ واضحةٍ، أو تكتفي بدور المتفرج.

إننا في هذه الافتتاحية لا نُطلقُ أحكامًا مثالية، بل نقرأُ واقعًا يتشكلُ أمام أعيننا. الذكاء الاصطناعي هو المحرك الجديد للنمو، والأسواق الناشئة تمتلكُ من المقومات البشرية والاقتصادية ما يَجعلُها مؤهلةً لتكونَ شريكًا أساسيًا في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي. لكن النجاح لن يتحققَ إلا لمن يَملكُ الشجاعةَ على الاستثمار في الغد، ويُؤمنُ بأن المستقبل لا يُنتظرُ بل يُصنعُ.

فرصة الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل هو فرصة تاريخية لإعادة توزيع الأدوار على خريطة الاقتصاد العالمي. والأسواق الناشئة، بما تحملُه من طاقات بشرية وطموحات متجددة، مُرشحةٌ لأن تكونَ المستفيدَ الأكبرَ، إذا ما أحسنتْ إدارةَ هذه الفرصة.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.