سوريا أمام مفترق تاريخي... الليرة بين رمزية الإصلاح وحقيقة التحديات

تم النشر 25/08/2025, 17:47

تستعد سوريا اليوم لخطوة وُصفت بالجريئة، وربما بالضرورية، حين تعلن عن إصدار عملة جديدة بعد حذف صفرين من الليرة السورية. قرار له بعد اقتصادي مباشر، لكنه يحمل أيضاً رمزية سياسية عميقة، إذ يُراد له أن يكون إيذاناً ببدء عهد جديد، يُطوى فيه إرث عقد من الأزمات. إلا أن التجربة العالمية في هذا المجال لا تمنح إجابات سهلة، فبين نجاحات مثل تركيا والبرازيل، وإخفاقات كارثية مثل زيمبابوي وفنزويلا، يبقى السؤال الحاسم: أي سيناريو ينتظر سوريا؟

لماذا تُحذف الأصفار؟

منذ عام 2011 خسرت الليرة السورية أكثر من 90% من قيمتها. تآكل القدرة الشرائية جعل المواطن السوري مضطراً لحمل رزم مالية ضخمة لتغطية أبسط احتياجاته اليومية. أصبح شراء حاجيات أساسية يتطلب مئات الآلاف، وأحياناً الملايين، من الليرات. هذا الواقع لم يثقل كاهل المواطن فحسب، بل أربك أيضاً المؤسسات والأسواق، وعقّد المحاسبة والأنظمة المالية.

من هنا يأتي حذف الأصفار كحل تقني لتسهيل الحياة اليومية: بدل دفع عشرة آلاف ليرة سيدفع المواطن مئة فقط، وستصبح الفاتورة أقل ازدحاماً بالأرقام، والنظام المحاسبي أقل تعقيداً. لكن، كما يؤكد خبراء الاقتصاد، فإن هذه الخطوة تبقى شكلية ما لم تُرفق بسياسات إصلاحية حقيقية تعالج جذور الأزمة: التضخم، الإنتاج، والسياسات النقدية.

بين تجربة تركيا وكابوس زيمبابوي

عام 2005، أقدمت تركيا على حذف ستة أصفار من عملتها. لم يكن ذلك مجرد تغيير شكلي، بل جاء ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية وإدارية متكاملة، هدفت للسيطرة على التضخم وبناء الثقة مجدداً في الليرة التركية. النتيجة كانت نسبياً إيجابية، إذ استعادت العملة قوتها الرمزية ورافقها تحسن ملموس في المؤشرات الاقتصادية.

على النقيض، لجأت دول مثل زيمبابوي وفنزويلا إلى حذف الأصفار مراراً، دون إصلاح جوهري. فكانت النتيجة أن عادت الأصفار سريعاً، بل مضاعفة، وانزلق الاقتصاد إلى مزيد من الانهيار. المواطن هناك لم يفقد ثقته بالعملة فقط، بل بات يتعامل بها كأوراق بلا قيمة.

في هذا السياق، يجد السوريون أنفسهم أمام مفترق حساس: إما أن يكون حذف الأصفار بوابة نحو إصلاح حقيقي يعيد الثقة، أو أن يتحول إلى إجراء تجميلي يزيد من انعدام اليقين.

تحديات الواقع السوري

المشهد السوري اليوم معقد على أكثر من مستوى:

  1. الواقع السياسي والأمني: الدولة لا تبسط سلطتها على كامل الأراضي، ما قد يؤدي إلى استخدام متباين للعملة الجديدة. بعض المناطق قد تتمسك بالعملة القديمة، أو تعتمد عملات أجنبية أو إقليمية.
  2. ضعف الثقة الشعبية: المواطن السوري أنهكته الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وأي خطوة نقدية قد يُنظر إليها بريبة. فهل يثق السوريون بالليرة الجديدة أم يزداد انجذابهم نحو الدولار والعملات الصعبة؟
  3. تكاليف باهظة: إصدار عملة جديدة يعني إعادة برمجة الأنظمة المصرفية، تحديث الصرافات الآلية، تدريب الموظفين، وتعديل كل النظم المحاسبية. هذه تكاليف ضخمة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من عجز.
  4. مخاطر التضخم: حذف الأصفار لا يوقف ارتفاع الأسعار إذا استمرت طباعة النقود دون غطاء أو ضوابط.
  5. البنية التكنولوجية المتداعية: القطاع المصرفي السوري يفتقر إلى بنية حديثة قادرة على مواكبة مثل هذا التحول.

 

الفوائد الممكنة

رغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن لخطوة حذف الأصفار فوائد عدة، أبرزها:

  • تسهيل المعاملات اليومية: المواطن سيتعامل بأرقام أصغر وأوضح.
  • إعادة تنظيم النظام المصرفي: البنوك ستحظى بفرصة لتبسيط عملياتها المحاسبية.
  • تعزيز القدرة على مراقبة الكتلة النقدية: ما يمنح البنك المركزي أداة أوضح لرسم السياسات النقدية.
  • رمزية سياسية: العملة الجديدة يمكن أن تُقدَّم كرمز لبدء مرحلة جديدة، تقطع مع ممارسات الماضي.

 

لكن تبقى هذه المكاسب محدودة إذا لم تُدعَّم بخطة إصلاح اقتصادي جذرية.

الطريق نحو كسب الثقة

الثقة هي العملة الحقيقية. لن ينجح أي إجراء نقدي ما لم يُعزز شعور المواطن بأن الليرة الجديدة تحفظ له قيمة مدخراته وقدرته الشرائية. لتحقيق ذلك، هناك خطوات أساسية:

  1. الشفافية المطلقة: لا بد من تواصل حكومي مفتوح مع المواطنين لشرح أهداف الخطة وآلياتها.
  2. ضبط التضخم: عبر سياسات نقدية واقعية تقلل من الاعتماد على طباعة النقود.
  3. إصلاحات اقتصادية حقيقية: دعم الإنتاج المحلي، إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، وتحفيز بيئة الاستثمار.
  4. حماية أصحاب الدخل المحدود: برفع الأجور بما يتناسب مع التضخم، وتوفير شبكة حماية اجتماعية.
  5. استقرار سعر الصرف: الحفاظ على قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية هو المؤشر الأهم لنجاح الإصلاح.

 

البعد السياسي للعملة

في عالم الاقتصاد، غالباً ما تُقرأ العملات كرموز للسيادة والاستقرار. إصدار عملة جديدة في سوريا يتجاوز البعد المالي البحت، ليحمل رسالة سياسية: نحن في بداية عهد جديد. تغيير العملة ليس فقط حذف أصفار، بل حذف رموز نظام سابق، وبث إشارة إلى أن البلاد مقبلة على تحول نوعي.

لكن، في المقابل، يدرك السوريون أن الرمزية وحدها لا تكفي، وأن نجاح التجربة مرهون بجدية الإصلاحات الفعلية. فالثقة لا تُبنى بالرموز بل بالسياسات.

هل تنجح التجربة السورية؟

السؤال يبقى مفتوحاً: هل ستكون سوريا أقرب إلى تجربة تركيا أم إلى زيمبابوي؟ الجواب رهن بما ستفعله دمشق بعد إصدار العملة الجديدة. فإذا كانت هذه الخطوة بداية لبرنامج إصلاح متكامل، فقد تشكل منعطفاً تاريخياً. أما إذا اكتفت الحكومة بتغيير الأرقام دون معالجة الأسباب الجذرية، فإن الأصفار ستعود مضاعفة، وسيبقى الاقتصاد في دوامة.

كلمة أخيرة

حذف الأصفار ليس عصا سحرية. هو خطوة تقنية قد تسهل حياة الناس، لكنها في النهاية ليست أكثر من عملية تجميلية ما لم تُرفق برؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري. المطلوب ليس مجرد أوراق نقدية جديدة، بل عقد اجتماعي واقتصادي جديد، يضع المواطن في قلب السياسات، ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

الليرة السورية، بعد حذف صفرين أو أكثر، لن تكون مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة لما إذا كانت البلاد قادرة على النهوض من تحت الركام. نجاح هذه الخطوة سيكتب بداية جديدة لسوريا، أما فشلها فسيجعلها مجرد صفحة أخرى في سجل الأزمات.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.