ترامب يضغط على أوروبا: هل تتحول الرسوم الجمركية إلى السلاح الأبرز في الحرب الروسية

تم النشر 12/09/2025, 12:23

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية قبل أكثر من ثلاث سنوات، والعالم يعيش في دوامة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. لكن التطور الأخير الذي فرض نفسه على الساحة الدولية هو دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الصين والهند، باعتبارهما أبرز الداعمين الاقتصاديين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذه الدعوة ليست مجرد موقف اقتصادي، بل هي محاولة صريحة لتحويل الرسوم الجمركية إلى سلاح استراتيجي مباشر في مواجهة روسيا وحلفائها.

في هذه الافتتاحية الخاصة، سنحاول قراءة خلفيات الموقف الأميركي، ومآلاته المحتملة على أوروبا، والعلاقات الدولية، والأسواق العالمية، مع التوقف عند المخاطر التي قد تعصف بالنظام الاقتصادي العالمي إذا مضى الغرب في هذا الاتجاه.

خلفية الخطوة الأميركية – من العقوبات إلى الرسوم

منذ اللحظة الأولى للحرب الروسية الأوكرانية، تبنّت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون سياسة العقوبات الاقتصادية على موسكو. شملت العقوبات تجميد أصول، وحظر استثمارات، وقيودًا مشددة على قطاعي الطاقة والتكنولوجيا. ورغم ذلك، نجحت روسيا في إيجاد منافذ بديلة، أبرزها عبر الصين والهند، اللتين أصبحتا شريان حياة لصادرات النفط والغاز الروسي.

ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض متعهّدًا بإنهاء الحرب سريعًا، وجد نفسه أمام معضلة كبرى:

  • العقوبات التقليدية لم تُجبر موسكو على التراجع.
  • أوروبا ما زالت تعتمد على نسبة معتبرة من الطاقة الروسية.
  • الصين والهند عززتا مكانتهما في السوق العالمية بفضل خصومات النفط الروسي.


من هنا جاءت الدعوة الأميركية لتغيير قواعد اللعبة. فبدلًا من الاقتصار على العقوبات المباشرة ضد روسيا، يسعى ترامب إلى رفع تكلفة دعمها من خلال الضغط على شركائها التجاريين الأساسيين.

لماذا الصين والهند؟

الصين: الشريك الاستراتيجي لبوتين

الصين لم تُخفِ دعمها السياسي لموسكو. في المحافل الدولية، امتنعت بكين عن التصويت ضد روسيا، وأكدت مرارًا أن الحرب "نتاج أخطاء غربية". اقتصاديًا، ارتفعت واردات الصين من النفط والغاز الروسي بنسبة تتجاوز 35% منذ بداية الحرب، وهو ما مكّن روسيا من تعويض جزء كبير من خسائرها الأوروبية.

الهند: المستفيد الأكبر من الخصومات الروسية

الهند، بدورها، لم تكتفِ بالحياد السياسي، بل تحوّلت إلى أكبر مشترٍ للنفط الروسي بأسعار منخفضة. هذه السياسة وفرت للهند مكاسب اقتصادية ضخمة، لكنها جعلتها في مرمى الضغوط الأميركية والأوروبية.

اختيار ترامب لهاتين الدولتين لم يكن صدفة. فهو يدرك أن ضرب المصالح الاقتصادية الصينية والهندية سيُربك حساباتهما تجاه روسيا، وقد يدفعهما لتخفيف دعم بوتين أو على الأقل تقليص تعاملاتهما النفطية معه.

الاتحاد الأوروبي بين المطرقة والسندان

هنا يكمن التعقيد الأكبر. أوروبا، رغم شراكتها الوثيقة مع واشنطن، ليست متحمسة لتحويل حرب الرسوم الجمركية إلى واقع. الأسباب متعددة:

  1. الاقتصاد الأوروبي هش: النمو ضعيف، والتضخم يضغط على الأسر والشركات. أي تصعيد تجاري مع الصين والهند سيعني ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة التنافسية.
  2. العلاقات التجارية العميقة: الاتحاد الأوروبي يعد من أكبر الشركاء التجاريين للصين والهند. فرض رسوم بنسبة 100% سيعني عمليًا إعادة تشكيل سلاسل التوريد الصناعية.
  3. الخوف من الردود الانتقامية: بكين ونيودلهي لن تقفا مكتوفتي الأيدي. الرد قد يشمل فرض قيود على صادرات أساسية، مثل المعادن النادرة أو الأدوية أو التكنولوجيا.


مع ذلك، لا يمكن لأوروبا تجاهل الضغط الأميركي. ترامب لوّح صراحة بأن بلاده "مستعدة لمطابقة أي تعريفات" يفرضها الأوروبيون، مما يعني أن واشنطن ماضية في التصعيد، سواء وافقت بروكسل أم لا.

هل تتحول الرسوم الجمركية إلى سلاح الحرب الجديد؟

في العقود الماضية، كانت العقوبات الاقتصادية أداة الغرب المفضلة للضغط على خصومه. لكن الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت أن العقوبات وحدها لا تكفي. روسيا نجحت في بناء اقتصاد "حصانة" نسبيًا، بفضل احتياطياتها الضخمة وتنوع منافذها.

الرسوم الجمركية، إذا ما طُبّقت على نطاق واسع، ستكون أداة أكثر مباشرة وقسوة. فهي ترفع التكلفة فورًا، وتحدّ من القدرة التنافسية للصادرات الصينية والهندية. لكن هذا السلاح يحمل مخاطر مزدوجة:

  • قد يؤدي إلى حرب تجارية شاملة تهز النظام التجاري العالمي.
  • وقد يسرّع من تشكّل تكتلات اقتصادية بديلة، مثل منظمة شنغهاي للتعاون، التي تعزز التعاون بين روسيا والصين والهند ودول آسيوية أخرى.


تداعيات محتملة على الأسواق العالمية

  1. أسعار الطاقة: إذا تراجعت قدرة الصين والهند على استيراد النفط الروسي، قد تبحث موسكو عن مشترين جدد بأسعار أكثر انخفاضًا، ما يربك سوق الطاقة العالمي.
  2. التضخم: الرسوم الجمركية سترفع أسعار السلع المستوردة، خصوصًا في أوروبا التي تعتمد على السلع الصينية.
  3. سلاسل التوريد: الصناعات الأوروبية، من السيارات إلى التكنولوجيا، تعتمد بشكل كبير على المكونات الصينية. الرسوم بنسبة 100% قد تُحدث صدمة في القطاعات الصناعية.
  4. الأسواق المالية: التوترات التجارية الكبرى عادة ما تؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم والعملات، وقد تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة كالذهب والدولار.


الموقف الروسي – بين الاستفادة والتهديد

من الواضح أن موسكو تتابع التطورات بارتياح مشوب بالحذر. فإذا رفضت أوروبا الاستجابة لطلب ترامب، ستنجح روسيا في تصوير الانقسام الغربي كدليل على "فشل التحالف". أما إذا مضت أوروبا في فرض الرسوم، فستجد روسيا نفسها أمام تحدٍ كبير، إذ ستتأثر صادراتها النفطية بشدة.

لكن بوتين يملك ورقة أخرى: التصعيد العسكري. وقد شهدنا مؤخرًا كيف استخدمت روسيا أعنف موجة قصف منذ بداية الحرب، مستهدفة البنية التحتية الأوكرانية. الرسالة واضحة: كلما اشتد الضغط الاقتصادي، قد تلجأ موسكو إلى تصعيد ميداني يغير قواعد الصراع.

ترامب بين وعود السلام وضغوط الواقع

ترامب وعد مرارًا بإنهاء الحرب "من اليوم الأول"، لكن الواقع أثبت أن النزاع أعقد بكثير مما صوّره في حملاته الانتخابية. حتى الآن:

  • لم ينجح في إقناع بوتين بوقف إطلاق النار.
  • لم يحقق اختراقًا دبلوماسيًا رغم لقاءاته المباشرة.
  • وجد نفسه مضطرًا لتصعيد اقتصادي جديد عبر سلاح الرسوم الجمركية.


هذه المفارقة تعكس التناقض بين خطاب ترامب السياسي وقيود الواقع الدولي. فهو يريد أن يظهر بمظهر القائد الحاسم، لكنه في الحقيقة يواجه شبكة معقدة من المصالح المتشابكة بين قوى كبرى.

أوروبا أمام اختبار تاريخي

القرار الذي سيواجهه الاتحاد الأوروبي في الأسابيع المقبلة سيكون بمثابة اختبار تاريخي. إما أن ينحاز بشكل كامل إلى واشنطن ويخوض مغامرة اقتصادية خطيرة، أو يحاول رسم مسار مستقل أكثر توازنًا يحافظ على مصالحه التجارية.

الخيار الأول يعني تأكيد التحالف عبر الأطلسي لكنه يحمل مخاطر ركود اقتصادي طويل الأمد. أما الخيار الثاني فيعني مزيدًا من التوتر مع إدارة ترامب وربما تهديدًا للعلاقة الخاصة التي طالما شكلت أساس الأمن الأوروبي.
السيناريوهات المقبلة

  1. تصعيد شامل: إذا فرضت أوروبا الرسوم، سترد الصين والهند بإجراءات مماثلة. سنكون أمام حرب تجارية كبرى تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
  2. تسوية وسطية: قد يوافق الأوروبيون على رسوم جزئية أو تدريجية، تسمح لهم بإرسال رسالة سياسية دون انهيار تجاري.
  3. رفض أوروبي: في حال رفضت بروكسل الانصياع، ستتعمق الفجوة بينها وبين واشنطن، ما قد يعيد النقاش حول استقلالية القرار الأوروبي.


قرار سياسي بحجم سلاح استراتيجي

الرسوم الجمركية ليست مجرد أرقام على الورق. إنها قرار سياسي بحجم سلاح استراتيجي، يحمل في طياته مخاطر اقتصادية وعسكرية وسياسية. خطوة ترامب تمثل انعطافة خطيرة في طريقة إدارة الغرب للأزمة الأوكرانية.

لكن الأكيد أن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة: مرحلة تتجاوز العقوبات التقليدية إلى استخدام الاقتصاد كسلاح مباشر في الحروب الجيوسياسية.

الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت أوروبا ستتماهى مع واشنطن وتخوض مغامرة الرسوم الجمركية، أم ستبحث عن طريق ثالث يوازن بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها السياسية. وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأهم: هل يدفع هذا المسار روسيا إلى طاولة المفاوضات، أم يفتح الباب على جولة جديدة من التصعيد قد تعصف باستقرار العالم لسنوات مقبلة؟

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.