جولدمان ساكس يعدل توقعاته بشأن قرارات الفائدة للفيدرالي الأمريكي
الكويت وإصدار السندات: تساؤلات حول الثراء والاقتراض
د محمد جميل الشبشيري
عندما أعلنت وكالة بلومبرغ عن عودة الكويت لإصدار السندات الدولية بعد غياب دام ثماني سنوات، لم يكن الأمر مفاجئًا لي وحدي. فقد تلقيت رسالة من صديقي العزيز، الخبير العقاري جورج اغاخان، يعرب فيها عن دهشته من حجم المبلغ المطروح، ومن لجوء الكويت للاقتراض عبر السندات في وقت تمتلك فيه فوائض مالية ضخمة واستثمارات خارجية هائلة من خلال الهيئة العامة للاستثمار، التي تُعد خامس أكبر صندوق سيادي في العالم. هذا التساؤل المشروع يفتح نقاشًا حول جدوى الاقتراض لدولة غنية مثل الكويت، وهو ما سنسعى للإجابة عليه في هذا المقال.
الثراء الكويتي: صندوق سيادي يتجاوز التريليون دولار
تُعرف الكويت بكونها واحدة من أغنى دول العالم، ويعود الفضل في ذلك إلى ثروتها النفطية وإدارتها الحكيمة لجزء كبير من هذه الثروة عبر الهيئة العامة للاستثمار (KIA)تُظهر الأرقام الحديثة أن الهيئة العامة للاستثمار قد تجاوزت حاجز التريليون دولار أمريكي في أصولها المدارة، لتصل إلى حوالي 1.029 تريليون دولار أمريكي اعتبارًا من مارس 2025، مما يجعلها تحتل المرتبة الخامسة عالميًا بين أكبر الصناديق السيادية. هذا الحجم الهائل من الأصول يثير تساؤلات حول الحاجة إلى الاقتراض الخارجي.
عودة الكويت لسوق السندات :
في عام 2025، عادت الكويت بقوة إلى سوق السندات الدولية، حيث تجاوزت طلبات المستثمرين على إصدارها الأخير 27.7 مليار دولار أمريكي، مما يعكس ثقة قوية في الملاءة المالية للدولة. هذا الإصدار جاء بعد فترة غياب، حيث كان الإصدار السابق الوحيد للكويت بالدولار بقيمة 4.5 مليار دولار ويستحق في عام 2027.
وقد شهدت إصدارات السندات الكويتية بالدولار ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغت 13.6 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مقارنة بـ 60 مليون دولار فقط في عام 2023، مدفوعة بشكل رئيسي من قبل البنوك. هذا النشاط يعكس استراتيجية جديدة في إدارة السيولة والتمويل.
التصنيف الائتماني القوي: ميزة للاقتراض
تتمتع الكويت بتصنيف ائتماني قوي يعكس استقرارها المالي. فقد أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف الكويت عند AA- مع نظرة مستقبلية مستقرة في سبتمبر 2025. كما أن تصنيف ستاندرد آند بورز للكويت هو A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة، وتصنيف موديز هو A1 مع نظرة مستقبلية مستقرة. هذه التصنيفات المرتفعة تتيح للكويت الاقتراض بشروط ميسرة وأسعار فائدة تنافسية، مما يجعل خيار السندات جذابًا.
أيهما أجدى: الاقتراض أم السحب من صندوق الأجيال؟
والسؤال المطروح أيضًا بشكل جوهري: أيهما أجدى للكويت على المدى المتوسط والطويل، الاقتراض عبر السندات أم مواصلة السحب من صندوق الأجيال القادمة لتغطية العجز؟ دعونا نستعرض المزايا والتحديات لكل خيار:
1. مزايا الاقتراض عبر السندات:
• تنويع مصادر التمويل: يقلل الاعتماد على السندات الضغط على صندوق الأجيال، ويحافظ على أصوله للاستثمار بعيد المدى.
• تكلفة منخفضة نسبيًا: بفضل التصنيف الائتماني المرتفع، يمكن للكويت الاقتراض بفوائد وشروط أفضل مقارنة بالعديد من الدول.
• الاستفادة من انخفاض الفائدة على الدولار: تراجع أسعار الفائدة الأمريكية يخلق بيئة مثالية للاقتراض بتكلفة أقل، مما يمكن الكويت من إصدار سندات بعوائد متدنية نسبيًا، خاصة مع الطلب القوي من المستثمرين العالميين على الأصول عالية التصنيف.
• بناء سجل ائتماني دولي: الإصدار الدوري للسندات يعزز من مكانة الكويت في أسواق المال العالمية، ويمكّنها من العودة مستقبلًا بشروط أكثر مرونة.
• إدارة السيولة المحلية: يخفف الاقتراض الخارجي الحاجة للسحب المكثف من الاحتياطيات، وبالتالي يحافظ على توازن السيولة في السوق المحلي.
2. مزايا السحب من صندوق الأجيال:
• تجنب خدمة الدين: السحب من أصول الصندوق يعني عدم تحمل فوائد أو التزامات مستقبلية، مما يخفف الضغط على الموازنة العامة.
• السيادة المالية الكاملة: تمويل العجز داخليًا من موارد الدولة يقلل من التعرض لمخاطر الأسواق العالمية أو تقلبات أسعار الفائدة.
• مرونة في الظروف الطارئة: يتيح الصندوق للحكومة الاستجابة السريعة عند الأزمات دون الحاجة إلى المرور بإجراءات إصدار دين عام أو مفاوضات تسعير في الأسواق.
3. التحديات والمخاطر:
• في حالة الاعتماد على السندات فقط: قد ترتفع خدمة الدين في حال اتساع العجز أو عودة أسعار الفائدة العالمية إلى الارتفاع، مما يضغط على الإنفاق التنموي. ورغم أن نسبة الدين للناتج المحلي في الكويت ما تزال أقل من 1%، إلا أن التوقعات تشير إلى ارتفاعها إلى نحو 25% بحلول 2030 إذا استمر التوسع في الاقتراض.
• في حالة الاعتماد على السحب من صندوق الأجيال فقط: يؤدي السحب المتكرر إلى تآكل الأصول المخصصة للأجيال المقبلة، مما يقلل من العوائد الاستثمارية طويلة الأجل، ويضعف قدرة الدولة على مواجهة تقلبات أسعار النفط في المستقبل.
تطور عجز الموازنة ودور السندات في إدارة السياسة المالية والنقدية
شهدت الموازنة العامة لدولة الكويت تقلبات كبيرة في السنوات الأخيرة، متأثرة بشكل مباشر بأسعار النفط العالمية. ففي فترات انخفاض أسعار النفط، يظهر العجز في الموازنة، مما يفرض تحديات على الحكومة لتغطية النفقات الجارية والرأسمالية. هنا يأتي دور السندات كأداة حيوية ليس فقط لتمويل العجز، بل لتحسين كفاءة إدارة السياسة المالية والنقدية. فإصدار السندات يتيح للحكومة الحصول على التمويل اللازم دون المساس بالاحتياطيات السيادية على المدى القصير، كما أنه يوفر أداة للبنك المركزي لإدارة السيولة في السوق المحلي من خلال عمليات السوق المفتوحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود سوق سندات حكومية نشط يساعد في تطوير سوق رأس المال المحلي، ويوفر معيارًا لتسعير أدوات الدين الأخرى للقطاع الخاص، مما يعزز من الشفافية والكفاءة المالية العامة.
الحل الأمثل: مزيج متوازن
الحل الأمثل لا يكمن في المفاضلة الصفرية بين الخيارين، بل في مزيج متوازن يجمع بينهما:
• استخدام السندات الدولية كأداة لتمويل جزء من العجز، خصوصًا في ظل انخفاض أسعار الفائدة العالمية، مما يتيح الاقتراض بتكلفة متدنية.
• تقنين السحب من صندوق الأجيال بحيث يقتصر على الحالات الاستثنائية، مع العمل على تعويض المسحوبات عبر فوائض مستقبلية عندما ترتفع أسعار النفط.
• تعزيز الإصلاحات المالية وزيادة الإيرادات غير النفطية لتقليل الاعتماد على أي من الخيارين بمرور الوقت.
خاتمة
إن خيار الاقتراض عبر إصدار السندات يوفر للكويت أداة تمويلية مهمة للحاضر، لاسيما في ظل انخفاض الفائدة على الدولار، بينما يبقى صندوق الأجيال ضمانة للأمن المالي في المستقبل. لذا، فإن السياسة المثلى تقوم على الموازنة بين الحاضر والمستقبل، عبر الاستفادة من الأسواق العالمية بذكاء، مع الحفاظ على ثروة الأجيال القادمة كركيزة استراتيجية لا يجوز التفريط فيها.
